قلت له: إن القرآن الكريم قد ينص على بعض الوسائل، لأنها هي القائمة والمعمول بها في وقت نزوله، لا ليتعبّدنا باتخاذها أبد الدهر، فإذا وجد ما هو مثلها أو خير منها فلا حرج في تركها واتخاذه، ويكفي أن أضرب مثلاً قول الله تعالى: (( وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّةٍ ومن رباطٍ الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم ) ) (الأنفال:60) ، فإنما نص على رباط الخيل لأنه إحدى الوسائل القوية المعروفة في ذلك الوقت، ولا حرج على المسلمين في عصرنا، وقبل عصرنا، إذا ما أعدوا بدل رباط الخيل، رباط الدبابات والمدرعات وغيرها، ما دامت تحقق الهدف الذي أومأت إليه الآية الكريمة، وهو إرهاب أعداء الله وأعداء المسلمين.
ومثل هذا يقال في لبس الجلباب فيمكن أن يستبدل به أي لباس آخر ما دام يحقق الهدف الذي أشارت إليه الآية كذلك في قوله تعالى: (( ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) )
(الأحزاب: 59) .
وإذا كان مثل هذا وقع في القرآن الذي طابعه الشمول والخلود، فإن وقوع أمثاله في السنة أكثر وأكثر، لأن فيها ما هو تشريعي، وما هو غير تشريعي، ومنها ما هو تشريع خاص، وما هو تشريع عام، ومنها ما هو ثابت دائم، وما هو قابل للتغير بتغير موجباته وأسبابه.
ففي قضايا الأكل والشرب واللبس مثلاً، نجد فيها سنناً تشريعية، وسنناً غير تشريعية، فمن غير التشريعية ـ فيما أرى ـ الأكل باليد دون استعمال أداة كالملعقة ونحوها، فقد كانت هذه هي عادة العرب وطريقتهم، وهي الأقرب إلى فطرتهم، وبساطة معيشتهم، ولكن هذا لا يعني أن الأكل بالملعقة بدعة أو حرام أو مكروه، وخصوصاً إذا تيسرت هذه الوسائل لكل النّاس، ولم يعد استعمالها دليلاً على سرف أو ترف، كما في ملاعق الذهب والفضة وأوانيهما التي حرّمها الإسلام.
وهذا بخلاف الأكل باليمين والشرب باليمين، فالتشريع في هذا واضح، ولهذا جاء الأمر به"سمّ الله وكل بيمينك" (متفق عليه) والتحذير من ضده"لا يأكل أحدكم بشماله، ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله" (رواه مسلم) ويقصد التشريع في السنة هنا إلى خلق آداب إسلامية مشتركة ذات اتجاه متميز، ومن ملامح هذا الاتجاه: الحرص على التيامن في كل شيء.