ومن ذلك أن المسلمين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرفوا المناخل قط، وكانوا يعجنون الدقيق خشناً دون أن ينخلوه، ثم عرفوا المناخل بعد ذلك واستخدموها، فهل يعد ذلك من البدع المحرمة أو حتى المكروهة؟ كلاّ...
ومن ذلك موضوع"الثوب القصير"الذي تشبث به كثير من الشباب المتدين، وأصروا على لبسه، وإن جرّ عليهم متاعب جمّة، كأنما هو من شعائر الإسلام، أو من فرائضه اللازمة.
وحجتهم في كونه ثوباً: أن هذا هو لبس النبي صلى الله عليه وسلم، ولبس أصحابه، وأن الأزياء الأخرى تجرنا إلى التشبه بالكفار، ومن تشبه بقوم فهو منهم، أما حجتهم في تقصيره، فهو ما ورد من أحاديث في التحذير من إسبال الإزار أو الثوب، كحديث"وما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النّار".
أما الاحتجاج للبس الثوب بفعله صلى الله عليه وسلم، فالثابت من هديه عليه الصلاة والسلام أنه كان يلبس ما تيسر له، ولهذا لبس القميص، ولبس الرداء والإزار، ولبس الحلل والبرود اليمنية، ولبس جبّة كسروانية مكفوفة بالحرير، وغير ذلك مما كان معروفاً في زمنه، وسهل عليه اقتناؤه، كما أنه لبس على رأسه العمامة تحتها القلنسوة، ولبس القلنسوة بغير عمامة.
قال الإمام ابن القيم في"الهدي النبوي":
"إن أفضل الطريق طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي سنّها، وأمر بها، ورغّب فيها، وداوم عليها، وهي أن هديه في اللباس أن يلبس ما تيسر من اللباس، من الصوف تارة، والقطن تارة، والكتان تارة ... ولبس البرود اليمانية، والبرد الأخضر، ولبس الجبة، والقباء، والقميص، والسراويل والرداء، والخف والنعل...وأرخى الذؤابة من خلف تارة، وتركها تارة..." (زاد المعاد: 1/ 143) .
ولم يكن عند القوم غزل ولا نسج ولا خياطة، بل كانوا يلبسون ما يجلب إليهم من البلاد الأخرى التي تصنع هذه الأنواع من الملابس، كاليمن ومصر والشام.
وها نحن نلبس من الألبسة الداخلية ما لم يكن معروفاً على عهده صلى الله عليه وسلم، ونغطي رؤوسنا بما لم يكونوا يغطونها بمثله، ونلبس في أرجلنا من الجوارب والأحذية ما لم يكونوا يلبسون، ولا يرى أحد في ذلك بأساً فلماذا التشدد في أمر الثوب وحده؟ ..