ولهذا كانت فريضة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وكان كل مسلم في نظر الإسلام مكلفاً بالدعوة إلى دينه على قدر طاقته ووسائله. فكل مسلم مخاطب بقوله تعالى (( ادْعُ إلى سبيلِ ربِّك ) ) [النحل:125] وكل من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو داعية إلى الله كما قال تعالى يخاطب رسوله: (( قُلْ هذِه سبيلي أدْعو إلى الله على بصِيرةٍ أنا ومَنِ اتّبعني ) ) [يوسف:108] .
ولهذا كان شعار المصلحين المجددين: أصلح نفسك، وادع غيرك، (( ومَنْ أحسنُ قولاً مِمَّنْ دعا إلى الله، وعَمِل صالِحاً وقال إنَّني مِن المُسلمين ) ) [فصلت:33] .
والإسلام لا يحب للمسلم أن يعمل وحده، فـ"يد الله مع الجماعة"و"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"، والمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، والتعاون على البر والتقوى فريضة دينية، وضرورة حيوية، فلا غرو أن يكون العمل الجماعي للدعوة الإسلامية واجباً شرعاً؛ لأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
يؤكد هذا الوجوب أن القوى العقائدية المخالفة تعمل في صورة تكتلات وأحزاب ومؤسسات، فلا بد أن تواجه بمثل أسلوبها، وإلا بقينا في ذيل القافلة عاجزين أن نصنع شيئاً، وغيرنا يعملون ويتقدمون.
ومن ثم كان من أكبر الإثم الذي ترتكبه بعض الحكومات في البلاد الإسلامية مصادرة حرية الدعوة إلى الإسلام باعتباره عقيدة ونظام حياة، والوقوف في وجه الداعين إليه، والعاملين لتحكيم شريعته وإقامة دولته، وتوحيد أمته، وتحرير أوطانه، ونصرة قضاياه، وتجميع الناس عليه.
وكان هذا الضغط على الدعوة والدعاة، والتضييق على العمل الإسلامي -وخاصة العمل الجماعي - من أبرز الأسباب التي تدفع إلى التطرف دفعاً، ولا سيما أن الفلسفات والمذاهب الوضعية الأخرى تتمتع بالحرية والمساندة، بلا مضايقة ولا إعنات.