{وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ} وهو ما في الكرش من الثفل: {وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ} أي: سهل المرور في حلقهم .
بيَّن تعالى آيته في الأنعام بما ذكر ؛ ليستدل به على وحدانيته وانفراده بالألوهية ، وليستدل به أيضاً على الحشر . فإن العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والتراب . فقلبُ الطين نباتاً وعشباً ، ثم تبديله دماً في جوف الحيوان ، ثم تحويله إلى لبن ؛ أعظم عبرة على قدرته تعالى على قلب هذه الأجسام الميتة من صفة إلى صفة . وإنما ذكر الضمير في بطونه هنا ، وأنثه في سورة المؤمنين ؛ لكون الأنعام اسم جمع ، فيذكر ويفرد ضميره ، باعتبار لفظه . ويؤنث ويجمع باعتبار معناه .
وقوله:
القول في تأويل قوله تعالى:
{وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [67] .
{وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} بيان لآيته تعالى في الثمرات المذكورة ، ومنته في المشروب منها والمطعوم . و (السَّكَرُ) : مصدر سمي به الخمر . فهو بمعنى السُّكْر كالرُّشَد والرُّشْد .
قال الفراء: السَّكَر: الخمر نفسها . والرزق الحسن: الزبيب والتمر وما أشبههما ، ولا يقال: الخمر محرمة ، فكيف ذكرها الله في معرض الإنعام ؟ لأن هذه السورة مكية ، وتحريم الخمر نزل في سورة المائدة . وكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت الخمر فيه غير محرمة . وأجاب الرازي بجواب ثان .
وهو: أنه لا حاجة إلى التزام هذا النسخ ، وذلك لأنه تعالى ذكر ما في هذه الأشياء من المنافع ، وخاطب المشركين بها ، والخمر من أشربتهم ، فهي منفعة في حقهم .