الدنيا حتى لا يستطيع هؤلاء أن ينالوا منزلة هؤلاء، ولا هؤلاء منزلة هؤلاء.
ثم قال: أنتم لا تسمحوا لأنفسكم بأن تشاركوا مماليككم في الرزق الذي
رزقناكموه حتى تكونوا على السواء أنتم وشركاؤكم الذين مننتم عليهم بالملك
والإعطاء، تخافونهم في الذي مننتم عليهم به كما يخافونكم، وفي ذلك يزعمون
أن الله يفعل على عزته وقدرته ومضاء مشيئته وعظيم شأنه ذلك.
ثم قال عز من قائل: (أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) أجلّ نعمة،
وأعظم منة على العباد أن كان ربهم العلي الكبير ذو الأسماء الحسنى والصفات
العلا، الواحد الأحد، الذي (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) .
هذه نعمة الله التي جحدوها، سبحانه وله الحمد النزيه عن أن يصيبه ذل الشركة
وفاقة العجز والشركة، فيتخذ أولياء من أجل ذلك، أو يكون في ملكه ما لا يريد،
عمدوا إلى أفضل نعمة أوتوها وأكرم منة مُنحوها فجحدوها، جعلوا رزقهم أنهم
يكذبون [....] والمكانة عنده، فالحمد لله على النعمة به، والحمد لله على النعمة
منه حمدًا لا يقدر قدره ولا يبلغ كنهه كما ينبغي لعز جلاله وكرم وجهه وسبحات
قدسه.
ويمكن آن يحمل معنى قوله جل وعز:(وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي
الرِّزْقِ...)إلى الفضل الذي هو الإيمان والعقل والمعرفة، والرزق:
التوحيد والعمل بطاعة الله - عز وجل - ، وهو الرزق الذي لا يستطيع أحد أن يرده على سواه
(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) ويهدي
الكون، وعدى هذا يكون مثلاً لأهل الإيمان الذين رزقهم الله الإيمان به وبرسله،
والعمل بطاعته في دار الدنيا. ثم ما للموحدين عند اللَّه - عز وجل - من الحسنى وحسن
المنقلب إن شاء الله - عز وجل - .
قوله تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ
بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ... (72) . هذه إشارة إلى الوحدانية وما
يفصل عنها من الكثرة، كقوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ