فطر الله كل شيء، وهو الدين الحق، وتأويل الماء هو الحياة(وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ
شَيْءٍ حَيٍّ).
(وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(64) .
والخمر معناها وتأويلها: النعيم واللذة (وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) .
ووفق رسول الله عنه في اختياره شرب اللبن في تأويل الفطرة، والخمر في
تأويل النعيم واللذة، وليست هذه الدار لذلك معدة، ولذلك هي ما هنا على ما هي
عليه بين سلب العقول وصدها عن سبيل الله وعن الصلاة، وكل ما يلهي هنا يصد
عن سبيل ذكر الله وعن الصلاة.
قال جبريل - عليه السَّلام -:"هُديت الفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك".
وتأويل العسل: العلم، وقد تقدم.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا
يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ... (70) . أعلم جل ذكره أن أمره قد أجراه على دوائر
محكمة التدوار، فذكر الخلقة ثم التوفي، وأمسك عن ذكر الإعادة، إذ الوجود قد
كشف عن حقيقة علمه، وفي الكلام ما يدل على وجوبه، وذكر أنه يرده إلى أرذل
العمر تعريضًا بأنه يعيده إلى عدم العلم والميز كما بدأه، ثم نص على ذلك بقوله:
(لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا) وقد كشف عن معهود ذلك الوجود، وفي قوله:
(يُرَدُّ) نص على معنى ذلك.
اتصف - جلَّ جلالُه - بالاقتدار على الإيجاد الأول عن عدم، وهو الموت أيضًا، ثم على
الإعادة بعد البداية، ليس كمن يدعونه (مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(20)
أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ). وفيه أيضًا تعريض خفي بذكر الخلقة التي
نص عليها بقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) وعرض بها في
قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ)
وبقوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4) .
ينتظم هذا من جهة المعنى بقوله في صدر السورة: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ