أحدهما: أن اللَّه أرشد كل دابة سوى الإنسان إلى مصلحتها، والهرب عن مهلكها ومتلفها بما فطوها اللَّه عليه، كما أرشد الإنسان إلى ما يصلحه في دينه ودنياه بالتعليم، فمثل اللَّه تعليمه كل دابة ما فيه مصلحتها ومفسدتها بما دبرها عليه، كما علم الإنسان بالقول والبيان، فقال: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) أي: أرشدها ودلها بفطرتها (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ) بيوتًا فيها (وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) يعني: واتخذي مما يبني الإنسان لمسكنه.
وقال: العريش: الحيطان التي لا سماء لها، بفطرتها تتخذ خلاياها في كل ذلك لمنافع الخلق، ثم قال: (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) والثمرات مختلفة الطعم والمنظر والمشبم: (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا) وهو ما سبل اللَّه لها من الرزق والمأوى (ذُلُلًا) قال: يقول: ذلك ذلل لك كل شيء قدره لرزقك ومسلكك، وذللك في طلب ما سبل لبني آدم وجعلها سببًا لمنافعهم وصغر قدرك لديهم فذلك قدرته وسلطانه على ما شاء؛ ليعلموا أن خالقهم لا يعجزه شيء، وأنه القدير على ما يعدهم من البعث والثواب والعقاب.
وقوله: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ) يقول: الجنس واحد، ثم هو ضروب كألوان التمر والعنب وسائر الثمار في مذاقه ومشامه ومنظره، وكله عسل فيه شفاء للناس لمنافعهم وملاذهم وفيما أراهم اللَّه من قدرته على ما يشاء من ذلك، فيه شفاء لهم في الدِّين والعلم، يعلمون بما يشاهدون من تدبير اللَّه وقدرته، على ما بينا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً) يقول: لعبرة ودليلا وبرهانًا (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فيما يشاهدون من تدبير اللَّه وتقديره وقدرته على ما يشاء، واللَّه أعلم.