وَمن الَّذِي هداها لشأنها؟ وَمن الَّذِي أنزل لَهَا من الطل مَا إِذا جنته ردته عسلا صافيا مُخْتَلفا ألوانه فِي غَايَة الْحَلَاوَة واللذاذة وَالْمَنْفَعَة من بَين أبيض يرى فِيهِ الْوَجْه أعظم من رُؤْيَته فِي الْمرْآة وسمه لي من جَاءَ بِهِ وَقَالَ هَذَا أفخر مَا يعرف النَّاس من الْعَسَل وأصفاه وأطيبه فَإِذا طعمه ألذ شَيْء يكون من الْحَلْوَى وَمن بَين أحمر وأخضر ومورد وأسود وأشقر وَغير ذَلِك من الألوان والطعوم الْمُخْتَلفَة فِيهِ بِحَسب مراعيه ومادتها.
وَإِذا تَأَمَّلت مَا فِيهِ من الْمَنَافِع والشفاء ودخوله فِي غَالب الأدوية حَتَّى كَانَ المتقدمون لَا يعْرفُونَ السكر وَلَا هُوَ مَذْكُور فِي كتبهمْ أصلا وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي يستعملونه فِي الأدوية هُوَ الْعَسَل وَهُوَ الْمَذْكُور فِي كتب الْقَوْم ولعمر الله أَنه لأنفع من السكر وأجدى وأجلى للأخلاط وأقمع لَهَا وأذهب لضررها وأقوى للمعدة وأشد تفريحا للنَّفس وتقوية للأرواح وتنفيذا للدواء وإعانة لَهُ على اسْتِخْرَاج الدَّاء من اعماق الْبدن وَلِهَذَا لم يَجِيء فِي شَيْء من الحَدِيث قطّ ذكر السكر وَلَا كَانُوا يعرفونه أصلا وَلَو عدم من الْعَالم لما احْتَاجَ إليه، وَلَو عدم الْعَسَل لاشتدت الْحَاجة إليه، وَإِنَّمَا غلب على بعض المدن اسْتِعْمَال السكر حَتَّى هجروا الْعَسَل واستطابوه عَلَيْهِ ورأوه أقل حِدة وحرارة مِنْهُ، وَلم يعلمُوا أن من مَنَافِع الْعَسَل مَا فِيهِ من الحدة والحرارة فَإِذا لم يُوَافق من يَسْتَعْمِلهُ كسرهَا بمقابلها فَيصير أنفع لَهُ من السكر.
وسنفرد - إِن شَاءَ الله - مقَالَة نبين فِيهَا فضل الْعَسَل على السكر من طرق عديدة لَا تمنع وبراهين كَثِيرَة لا تدفع وَمَتى رأيت السكر يجلو بلغما ويذيب خلطا أوْ يشفي من دَاء، وَإِنَّمَا غَايَته بعض التَّنْفِيذ للدواء إلى الْعُرُوق للطافته وحلاوته.
وَأما الشِّفَاء الْحَاصِل من الْعَسَل فقد حرمه الله كثيرا من النَّاس حَتَّى صَارُوا يذمونه ويخشون غائلته من حرارته وحدته وَلَا ريب أن كَونه شِفَاء وَكَون الْقُرْآن شِفَاء وَالصَّلَاة شِفَاء وَذكر الله والإقبال عَلَيْهِ شِفَاء، أمر لَا يعم الطبائع والأنفس فَهَذَا كتاب الله هُوَ الشِّفَاء النافع وَهُوَ أعظم الشِّفَاء، وَمَا أقل المستشفين بِهِ بل لَا يزِيد الطبائع الرَّديئَة رداءة وَلَا يزِيد الظَّالِمين إلا خسارا.