إذن: أوحى الله تعالى إلى النحل بطريق خفيّ لا نعلمه نحن ، وعملية الوحي تختلف باختلاف الموحِي والموحَي إليه ، ويمكن أنْ نُمثّل هذه العملية بالخادم الفَطِن الذي ينظر إليه سيده مُجرد نظرة فيفهم منها كل شيء: أهو يريد الشراب؟ أم يريد الطعام؟ أم يريد كذا؟
ثم يقول الحق سبحانه:
{ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ}
عِلّة كَوْن العسل فيه شفاء للناس أنْ يأكلَ النحل من كُلِّ الثمرات ذلك لأن تنوُّع الثمرات يجعل العسل غنيّاً بالعناصر النافعة ، فإذا ما تناوله الإنسان ينصرف كل عنصر منه إلى شيء في الجسم ، فيكون فيه الشفاء بإذن الله .
ولكن الآن ماذا حدث؟ نرى بعض الناس يقول: أكلتُ كثيراً من العسل ، ولم أشعر له بفائدة . . نقول: لأننا تدخّلنا في هذه العملية ، وأفسدنا الطبيعة التي خلقها الله لنا . . فالأصل أن نتركَ النحل يأكل من كُلّ الثمرات . . ولكن الحاصل أننا نضع له السكر مثلاً بدلاً من الزَّهْر والنوار الطبيعي ، ولذلك تغيّر طعم العسل ، ولم تَعُدْ له مَيْزته التي ذكرها القرآن الكريم .
لذلك ؛ فالمتتبع لأسعار عسل النحل يجد تفاوتاً واضحاً في سعره بين نوع وآخر ، ذلك حَسْب جودته ومدى مطابقته للطبيعة التي حكاها القرآن الكريم .
والحق سبحانه يقول:
{فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً . .} [النحل: 69] .
أي: تنقّلي حُرّة بين الأزهار هنا وهناك ؛ ولذلك لا نستطيع أنْ نَبني للنحل بيوتاً يقيم فيها ، لا بُدَّ له من التنقُّل من بستان لآخر ، فإذا ما جَفَّتْ الزراعات يتغذَّى النحل من عسله ، ولكن الناس الآن يأخذون العسل كله لا يتركون له شيئاً ، ويضعون مكانه السكر ليتغذَّى منه طوال هذه الفترة .
وقوله تعالى: {ذُلُلاً . .} [النحل: 69] .