وربما أخذت مكانها فانتجعت المكان البعيد ، ثم عادت إلى مكانها الأول.
وقيل: سبل ربك أي الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل ، أو فاسلكي ما أكلت أي: في سبل ربك ، أي في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المر عسلاً من أجوافك ومنافذ مأكلك.
وعلى هذا القول ينتصب سبل ربك على الظرف ، وعلى ما قبله ينتصب على المفعول به.
وقيل: المراد بقوله ثم كلي ، ثم اقصدي الأكل من الثمرات فاسلكي في طلبها سبل ربك ، وهذا القول والقول الأول أقرب في المجاز في سبل ربك من القولين اللذين بينهما ، إلا أنّ كلي بمعنى اقصدي الأكل ، مجاز أضاف السبل إلى رب النحل من حيث أنه تعالى هو خالقها ومالكها والناظر في تهيئة مصالحها ومعاشها.
وقال مجاهد: ذللاً غير متوعرة عليها سبيل تسلكه ، فعلى هذا ذللاً حال من سبيل ربك كقوله تعالى: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً} وقال قتادة: أي مطيعة منقادة.
وقال ابن زيد: يخرجون بالنحل ينتجعون وهي تتبعهم ، فعلى هذا ذللاً حال من النحل كقوله: {وذللناها لهم} ثم ذكر تعالى على جهة تعديد النعمة والتنبيه على المنة ثمرة هذا الاتخاذ والأكل والسلوك وهو قوله: يخرج من بطونها شراب ، وهو العسل.
وسماه شراباً لأنه مما يشرب ، كما ذكر ثمرة الأنعام وهي سقي اللبن ، وثمرة النخيل والأعناب وهو اتخاذ السكر والرزق الحسن.
وذكر تعالى المقر الذي يخرج منه الشراب وهو بطونها ، وهو مبدأ الغاية الأولى ، والجمهور على أنه يخرج من أفواهها وهو مبدأ الغاية الأخيرة ولذلك قال الحريري:
تقل هذا مجاج النحل تمدحه ...
وإن ذممت تقل قيء الزنابير
والمجاج والقيء لا يكونان إلا من الفم.
وروي عن عليّ كرم الله وجهه أنه قال في تحقير الدنيا: أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة ، وأشرف شرابه رجيع نحلة.