وقال الزمخشري: ما يدل على أنّ البيوت ليست الكوى ، وإنما هي ما تبنيه هي ، فقال: أريد منى البعضية ، يعني بمن ، وأنْ لا يبنى بيوتها في كل جبل وكل شجر وكلّ ما يعرش.
وقال ابن زيد: ومما يعرشون الكروم.
وقال الطبري: مما يبنون من السقوف.
قال ابن عطية: وهذا منهما تفسير غير متقن انتهى.
وقرأ السلمي ، وعبيد بن نضلة ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم: بضم الراء ، وباقي السبعة بكسرها ، وتقتضي ثم المهلة والتراخي بين الاتخاذ والأكل الذي تدخر منه العسل ، فلذلك كان العطف بثم وهو معطوف على اتخذي ، وهو أمر معطوف على أمر ، وسيأتي الكلام على أمر غير المكلف في قوله: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} إن شاء الله وكل الثمرات عام مخصوص أي: المعتادة ، لا كلها.
قال الزمخشري: أي ابني البيوت ثم كلي من كل ثمرة تشتهيها انتهى.
فدل قوله: أي ابني البيوت ، أنه لا يريد بقوله بيوتاً الكوى التي في الجبال ومتجوف الأشجار ولا الخلايا ، وإنما يراد البيوت المسدسة التي تبينها هي.
وظاهر مِن في قوله: من كل الثمرات أنها للتبعيض ، فتأكل من الأشجار الطيبة والأوراق العطرة أشياء يولد الله منها في أجوافها عسلاً.
قال ابن عطية: إنما تأكل النوّار من الأشجار.
وقال أبو عبد الله الرازي ما ملخصه: يحدث الله تعالى في الهواء ظلاً كثيراً يجتمع منه أجزاء محسوسة مثل النرنجبين وهو محسوس ، وقليلاً لطيف الأجزاء صغيرها ، وهو الذي ألهم الله تعالى النحل التقاطه من الأزهار وأوراق الأشجار ، وتغتذي بها فإذا شبعت التقطت بأفواهها شيئاً من تلك الأجزاء ، ووضعتها في بيوتها كأنها تحاول أن تدخر لنفسها غذاءها ، فالمجتمع من ذلك هو العسل.
وعلى هذا القول تكون من لابتداء الغاية ، لا للتبعيض انتهى.
وظاهر العطف بالفاء في فاسلكي أنه بعقيب الأكل أي: فإذا أكلت فاسلكي سبل ربك ، أي طرق ربك إلى بيوتك راجعة ، والسبل إذ ذاك مسالكها في الطيران.