قال في"الكواشي": المعنى خلق الله اللبن في مكان وسط بين الفرث والدم، وذلك أن الكرش إذا طبخت العلف .. صار أسفله فرثًا، وأوسطه لبنًا خالصًا لا يشوبه شيء، وأعلاه دمًا، وبينه وبينهما حاجزٌ من قدرة الله تعالى، لا يختلط أحدهما بالآخر بلون ولا طعم ولا رائحة، مع شدة الإتصال، ثم تسلط الكبد على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها: فتجري الدم في العروق، واللبن في الضروع، ويبقى الفرث في الكرش، ثم ينحدر.
فَإِنْ قُلْتَ: إن الدم واللبن لا يتولدان في الكرش، إذ البهائم إذا ذبحت لم يوجد في كرشها لبنٌ ولا دم؟
قلتُ: المراد كان أسفله مادة الفرث، وأوسطه مادة اللبن، وأعلاه مادة الدم، فالمنحدر إلى الضروع مادة اللبن لا مادة الدم، وقول بعضهم: إن الدم ينحدر إلى الضروع فيصير لبنًا ببرودة الضرع، بدليل أن الضرع إذا كانت فيه آفة .. يخرج منه الدم مكان اللبن، مدفوعٌ بأنه يجوز أن يتلون اللبن بلون الدم بسبب الآفة، وهو اللائح بالبال، ومن بلاغات الزمخشري:
كما يحدث بين الخبيثين ابنٌ لا يؤبن ... الفرث والدم يخرج منهما اللبن
أي: كما أن اللبن الطيب الطاهر يخرج من بين الخبيثين اللذين هما الفرث والدم، بحيث لا يشوبه شيء من أوصافهما مع كمال الاتصال والاكتناف، كذلك يخرج الابن الطيب الطاهر الذي لا يعاب بشيء أصلًا من بين الأبوين الخبيثين، بحيث لا يوجد فيه شيء من أوصافهما الخبيثة، وسئل شقيق عن الإخلاص؟ فقال: تمييز العمل من العيوب، كتمييز اللبن من بين فرث ودم.
ومعنى الآية: أي وإن لكم أيها الناس لعظةً في الأنعام دالة على باهر قدرتنا، وبديع صنعنا، وواسع فضلنا ورحمتنا بعبادنا، فإننا نسقيكم مما في بطونها من اللبن الخالص من شائبات المواد الغريبة، السهل التناول اللذيذ الطعم، وهو متولد من بين فرث ودم.