وقرأ ابن مسعود بخلاف عنه، والحسن وزيد بن علي وابن عامر وأبو بكر ونافع وأهل المدينة: {نَسْقِيكم} هنا وفي: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) } بفتح النون، مضارع سقى يسقي، وهي لغة قريش، وباقي السبعة بضمها، من أسقى يسقي وهي لغة حمير، وجميع القراء على هاتين القراءتين، وقرأ أبو جعفر: {يُسْقِيكم} بياء مضمومة، والضمير عائد على الله، وقرأت فرقة بالتاء مفتوحة، منهم أبو جعفر، على أن الضمير راجع إلى الأنعام، وهاتان القراءتان ضعيفتان، وقال الزجاج: سقيته وأسقيته بمعنى واحد، وفي"الأسئلة المقحمة": يقال أسقيته إذا جعلت له سقيًا دائمًا، وسقيته إذا أعطيته شربةً، وقيل: إذا كان الشراب من يد الساقي إلى فم المسقي .. يقال سقيته، وإذا كان بمجرد عرضه عليه وتهيئته له .. قيل: أسقاه، وقوله: {مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ} {مِنْ} ابتدائية متعلقة بـ {نُسقيكم} لأن بين الفرث والدم مبدأ الإسقاء، والفرث وكذا الثفل بضم الثاء المثلثة وسكون الفاء فضالة العلف وووثه في الكرش، والكرش - وزان كبد - للحيوان بمنزلة المعدة للإنسان، وقوله: {لَبَنًا} : مفعول ثان لـ {نُسْقِيكم} ؛ أي: نسقيكم من بين فرثها ودمها لبنًا، {خَالِصًا} ؛ أي: صافيًا ليس عليه لون الدم ولا رائحة الفرث {سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} ؛ أي: سهل المرور في حلوق الشاربين له، حالة كونه بعض ما في بطون الأنعام، وقرأت فرقة {سَيِّغًا} بوزن هين، وقرأ عيسى بن عمر: {سَيْغًا} مخففًا من سيغ كهين المخفف من هين، ذكره في"البحر"، قيل: لم يُغَص أحدٌ باللبن قط وليس في الطعام والشراب أنفع منه، ألا ترى إلى قوله عليه السلام:"إذا أكل أحدكم طعامًا ... فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرًا منه، وإذا شرب لبنًا .. فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإني لا أعلم شيئًا أنفع في الطعام والشراب منه".