فإنَّ الله جلت قدرته جعل الحيوان يتغذى بما يأكل من نبات ولحوم ونحوهما، حتى إذا هضم المأكول .. تحول بإذنه تعالى عصارةً نافعة للجسم، وفضلات تطرد إلى الخارج، ومن هذه العصارة يتكون الدم الذي يسري في عروق الجسم لحفظ الحياة، وبعض هذا الدم يذهب إلى الغدد التي في الضرع، فتحولها إلى لبن، وهكذا في الجسم غددًا أخرى كالغدد الأنفية للمخاط، والغدد المنوية التي تحول الدم إلى مادة التلقيح، والغدد العينية للدمع، والغدد الفموية للبصاق.
67 -وبعد أن ذكر سبحانه اللبن، وبين أنه جعله شرابًا سائغًا للناس، ثلث بذكر ما يتخذ من الأشربة من ثمرات النخيل والأعناب فقال: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ} متعلق بمحذوف دل عليه ما قبله، ونسقيكم أيها الناس من ثمرات النخيل والأعناب؛ أي: من عصيرهما، ونطعمكم من ثمارهما، وقوله: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} كلام مستأنف مسوق لبيان ذلك الإسقاء والإطعام، والتقدير: أي وذلك الإسقاء والإطعام أنكم تتخذون منه؛ أي: مما ذكر من ثمرات النخيل والأعناب، أو من عصيرهما سكرًا؛ أي: خمرًا وتكرير {منه} تأكيد للظرف الأول، وتذكير الضمير نظرًا إلى كونه بمعنى المذكور، أو لكونه راجعًا إلى المضاف المحذوف، كما قدرناه، وقال في"القاموس": السكر محركة الخمر، ونبيذ يتخذ عن الخمر اهـ.
فَإِنْ قُلْتَ: الخمر محرمة فكيف ذكرها الله عز وجل في معرض الإنعام والامتنان؟
قلت: قال العلماء في الجواب عن هذا: إنَّ هذه السورة مكية وتحريم الخمر إنما نزل في سورة المائدة وهي مدنية، فكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت الخمر فيه غير محرمة، وهذا الجواب أولى ما قيل في هذا المقام.
أي: وذلك الإسقاء والإطعام أنكم تتخذون وتجعلون مما ذكر سكرًا وخمرًا، {و} تتخذون من ثمارها {رزقًا حسنًا} ؛ أي: طيبًا كالتمر والزبيب والدبس والخل.