وحاصل المعنى: ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام التي لا تعقل شيئًا {نَصِيبًا} ؛ أي: حظًّا وجزءًا {مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} ؛ أي: من الأموال التي رزقناهم إياها من الزرع والأنعام وغيرهما تقربًا إليها، {فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا} وهي؛ أي: الأصنام لا تشعر أجعلوا لها نصيبًا وحظًّا في أنعامهم وزروعهم أم لا، {تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ} أيها الكفار يوم القيامة سؤال توبيخ وتقريع {عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} في الدنيا، وتختلقونه من الكذب على الله تعالى بأنها آلهة حقيقة بأن يتقرب إليها؛ أي: أقسم لأسألنكم عما افتريتموه واختلقتموه من الباطل، ولأعاقبنكم على ذلك عقوبة تكون كفاء كفرانكم نعمي وافترائكم عليَّ، ونحو الآية: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) } .
57 -ثم ذكر نوعًا آخر من قبائحهم فقال: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ} سبحانه وتعالى {الْبَنَاتِ} ؛ أي: وينسب بعض الكفار البنات إلى الله سبحانه، ويقولون: الملائكة بنات الله، وهم خزاعة وكنانة، وإنَّما أطلقوا لفظ البنات على الملائكة لاستتارهم عن العيون كالنساء، أو لدخول لفظ التأنيث في تسميتهم، {سُبْحَانَهُ} ؛ أي: تنزيها له تعالى عن البنات والبنين، وعن كل ما لا يليق به من صفات الحدوث، نزه سبحانه نفسه عما نسبه إليه هؤلاء الجفاة الذين لا عقول لهم صحيحة، ولا أفهام مستقيمة، إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل، وفي هذا التنزيه تعجيب من حالهم، {و} يجعلون {لهم} ؛ أي: لأنفسهم {مَا يَشْتَهُونَ} ؛ أي: ما يحبونه؛ أي: ويختارون لأنفسهم الأولاد الذكور، على أنَّ {ما} في محل النصب بالفعل المقدر، ويجوز أن تكون في محل رفع بالابتداء، والظرف المقدم خبره، والجملة حالية، وأنكر النصب الزجاج، وأجازه الفراء.