والمعنى: أي ولقد بلغ من جهل هؤلاء المشركين وعظيم أباطيلهم أنهم يجعلون لمن خلقهم، ودبر شؤونهم، واستحق شكرهم على جزيل نعمائه البنات، إذ قالت خزاعة: الملائكة بنات الله، كما قال عزَّ اسمه: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} وعبدوها مع الله، وقد أخطؤوا في ذلك خطأ كبيرًا، وضلوا ضلالًا بعيدًا، إذ نسبوا إليه الأولاد، ولا أولاد له، وأعطوه منها أخسها وهي البنات، وهم لا يرضونها لأنفسهم، بل لا يرضون إلا البنين، كما قال تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) } ، وقال: {أألَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) } .
58 -قال ابن عباس: يقول سبحانه: تجعلون لي البنات ترضونهن لي ولا ترضونهن لأنفسكم، ثم ذكر سبحانه كراهتهم للإناث التي جعلوها لله سبحانه فقال: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ} ؛ أي: أحد هؤلاء الذين جعلوا لله البنات، {بِالْأُنْثَى} ؛ أي: بولادة أنثى؛ أي: أُخبر بولادة أنثى له {ظَلَّ وَجْهُهُ} ؛ أي: صار وجهه {مُسْوَدًّا} ؛ أي: متغيِّر اللون بما يحصل له من الغم وانكسار القلب، وليس المراد السواد الذي هو ضد البياض، بل المراد الكناية بالسواد عن الانكسار والتغير الذي يحصل بسبب الغم، والعرب تقول لكل من لقي مكروها قد اسود وجهه غمًّا وحزنًا، قاله الزجاج، وقال الماوردي: بل المراد سواد اللون حقيقة، قال: وهو قول الجمهور، والأولى، فإن المعلوم بالوجدان أن من غضب وحزن واغتم لا يحصل في لونه إلا مجرد التغير، وظهور الكآبة والانكسار لا السواد الحقيقي.
وجملة قوله: {وَهُوَ كَظِيمٌ} في محل نصب على الحال؛ أي: ظل وجهه مسودًّا، والحال أنه مملوء غضبًا على المرأة، لأجل ولادتها الأنثى، ومن هنا أخذ المعبرون من رأى أو روئي له أن وجهه اسودَّ، فإن امرأته تلد أنثى، أو ممتلئٌ من الغم غيظًا وخنقًا، قال الأخفش: هو الذي يكظم غيظه ولا يظهره،