ومنها أنه يأخذهم بالليل والنهار في أحوال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم ، وحقيقته في حال تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم. ومنها أنه أراد في حال ما يتقلبون في قضاء أوطارهم بوجوه الحيل فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم. والتقلب بالمعنى الأوّل مأخوذ من قوله: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} [آل عمران: 196] وبالمعنى الثالث من قرأ {وقلبوا لك الأمور} {التوبة: 48]. أو يأخذهم على تخوف} على حالة تخوفهم وتوقعهم للبلاء بأن يكون قد أهلك قوماً قبلهم فكان أثر الخوف باقياً فيهم ظاهراً عليهم فهو خلاف قوله: {من حيث لا يشعرون} وقيل: التخوف التنقص والمعنى أنه يأخذهم بطريق النقص شيئاً بعد شيء في ديارهم وأموالهم وأنفسهم حتى يأتي الفناء على الكل. عن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا: فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص فقال: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم قال شاعرنا زهير:
تخوّف الرحل منها تامكاً قرداً. .. كما تخوف عود النبعة السفن
قوله تامكا قرداً أي سناماً مرتفعاً متراكماً ، والسفن ما ينحت به الشيء ومنه السفينة لأنها تسفن وجه الماء بالمر في البحر. فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم. ثم ختم الآية بقوله: {فإن ربكم لرءُوف رحيم} فذهب المفسرون إلى أن معناه أنه يمهل في أكثر الأمر لأنه رءُوف رحيم فلا يعجل بالعذاب. وأقول: يحتمل أن يكون قوله"فإن"تعليلاً لقوله {أفأمن} كقوله: {ما غرك بربك الكريم} [الانفطار: 6] .