ثم كذبهم في قولهم فقال: (لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ) ليس لهم الحسنى على ما زعموا؛ ولكن النار، وقد ذكرنا قوله: (لَا جَرَمَ) فيما تعَدم، كان أهل الكفر فرقا، منهم من ادعى الاشتراك في نعيم الآخرة كما كان لهم اشتراك في نعيم الدنيا؛ كقوله: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ) ، ومنهم من ادعى الآخرة لأنفسهم كما كانت لهم الدنيا، فجائز أن يكون قوله: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ) وهم الذين ادعوا الحسنى - وهي الجنة - لأنفسهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ) .
هو من الفرط؛ وهو: السبق والتقدم، كأن الآية في الرؤساء منهم، أخبر أنهم سابقون أتباعهم إلى النار، وهو كقوله: (وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ) ، الأولى هم المتبوعون، وأخراهم الأتباع.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: معجلون إليها بين يدي أتباعهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مُفْرَطُونَ) أي: متروكون، منسيون في النار.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مُفْرَطُونَ) مبعدون عن رحمة اللَّه لكن هذين ليسا بتأويل ألبتَّة، إذ كل من في النار فهو منسي متروك فيها مبعد عن رحمة اللَّه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: وأنهم مدخلون فيها.
والوجه فيه ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(63)
هذا لا يحتمل أن يكون هذا القسم منه ابتداء؛ ولكن كأنه عن إنكار كان منهم للرسالة، فعند ذلك أقسم بقوله: (تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ) وأكد بما أنكروا الرسالة بالقسم الذي ذكر، فقال: (تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ) يا مُحَمَّد.