وأفرغ الناس قلوباً عن معاملة الله، والانقطاع إليه، والتلذذ بمناجاته والطمأنينة بذكره، والافتقار إليه، وبث الشكوى له.
وليس لأحد حجة على الله، بل لله الحجة على الناس جميعاً فقد خلقنا وأعطانا المكان .. وأعطانا الزمان .. وأعطانا العقل .. وأعطانا السمع والبصر .. وأرسل
إلينا رسله .. وأنزل علينا كتبه .. ورزقنا من الطيبات .. وهدانا للإسلام .. وما جعل علينا في الدين من حرج .. ووعدنا بعد الموت الجنة في الآخرة.
فهل فوق هذا من عطاء؟ .. وهل بعد هذا من إكرام؟ ..
فماذا عملنا؟ .. وماذا قدمنا؟ .. وماذا أخرنا؟:
{وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) } [إبراهيم: 34] .
ونعم الله سبحانه على عباده لا يحصيها أحد، والاستعانة بها على طاعته هو ما يقتضيه الشرع والعقل، فإن من أحسن إليك بشيء لا يجوز لك أن تقابله بالإساءة إليه، ومن فعل ذلك من الناس فهو في نظرهم وقح ناكر للجميل وجاحد له، فكيف إذا استعان بإحسانه على الإساءة إليه، فهو أشد وقاحةً وجحوداً للجميل.
والنعم إنما خلقها الله عزَّ وجلَّ ليستعين بها أهل الإيمان على طاعة الرحمن، وأما أهل الكفر والفجور فإنها محرمة عليهم، لأنهم يستعينون بها على معصية الله، وهم محاسبون عليها يوم القيامة: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) } [الأعراف: 32] .
وفي كل جارحة من جوارح الإنسان نعمة .. وعلى كل جارحة شكر يخصها .. وعلى اللسان من ذلك ما على سائر الجوارح .. وشكر كل جارحة إنما هو باستعمالها بتقوى الله، بامتثال ما يخصها من الطاعات، واجتناب ما يخصها من العصيان.
فشكر البدن ألا تستعمل جوارحه في غير طاعة الله.
وشكر القلب ألا تشغله بغير ذكر الله ومعرفته.