وكذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - المروي في"صحيح مسلم"عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أَنَّ رَجُلاً زارَ أَخاهُ فِيْ قَرْيَةٍ فَأَرْصَدَ اللهُ عَلَىْ مَدْرَجَتِهِ - أَيْ: طَرِيْقِهِ - مَلَكاً، فَلَمَّا أتَىْ إِلَيْهِ قالَ:"أَيْنَ تُرِيْدُ؟"لا قالَ:"أُرِيْدُ أَخاً لِيْ فِيْ هَذهِ الْقَرْيَةِ"، قالَ:"هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّها؟"قالَ:"لا، غَيْرَ أَني أَحْبَبْتُهُ لِلَّهِ تَعالَىْ"، قالَ:"فَإِنِّي رَسُوْلُ اللهِ إِلَيْكَ؛ فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَما أَحْبَبْتَهُ فِيْهِ".
قال النووي رحمه الله تعالى في"شرح مسلم": وفي هذا الحديث فضل المحبة في الله، وأنها سبب لحب الله تعالى العبدَ، وفيه فضيلة زيارة الصَّالحين، والأصحاب، وفيه أن الآدميين قد يرون الملائكة، انتهى.
وقد ذكرت لهذه المسألة أدلة أخر في كتاب"منبر التوحيد"الذي شرحت فيه"ألفية الجد"رحمه الله تعالى.
ثم إذا قلنا بجواز رؤية الملائكة لبعض البشر، فهل يتفق لهم رؤيتهم على أصل خلقتهم، أم متمثلين بصور تليق بحال الرائي؟
لا مانع من رؤية الملائكة على أصل خِلقتهم؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى جبريل عليه السلام على أصل خلقته مرتين، وما جاز أن يكون
معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي.
ومنع بعض العلماء من رؤية جبريل عليه السلام على أصل خلقته إلا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: إنها من خصائصه.
قلت: وقد يستأنس للأول بما رواه البيهقي، وغيره عن عمار رضي الله تعالى عنه: أن حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله! أرني جبريل في صورته، قال:"اقْعُدْ"، فنزل جبريل عليه السلام على خشبة كانت في الكعبة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"ارْفَعْ طَرْفَكَ فَانْظُر"، فرفع رأسه، فرأى قدميه مثل الزمرُّد الأخضر.
ولكن الغالب أن تتمثل الملائكة للصالحين في سورة مأنوسة لهم للمجانسة.
قال الله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا} [سورة الأنعام: 9]