قال: وأول ما يتمثل له من ذلك العالم جواهر الملائكة، وأرواح الأنبياء، والأولياء في سورة جميلة تفيض إليه بواسطتها بعض الحقائق، وذلك في البداية إلى أن تعلو درجته عن المثال، ويكافح بصرائح الحق في كل شيء. انتهى.
قال شيخ الإسلام الجد في"ألفيته في التصوف"في معنى ذلك: من الرجز
الذِّكْرُ أَنْ تَغِيْبَ فِيْ الْوُجُوْدِ ... عَنْكَ وَتَنْدَرِجَ فِيْ الشُّهُوْدِ
فَلا تُحِسُّ بِجَمِيْع الْخَلْق ... وَذَاكَ فِيْ التَّحْقِيْقِ حَقُّ الْحَقِّ
هَذَا هُدَى اللهِ إِلَيْهِ فَاهْتَدُوْا ... وَلا تَضِلُّوْا عَنْ هُدَاهُ تُلْحِدُوْا
مَنْ غابَ فِيْ ذِيْ الْحَضْرَةِ الْمُبَارَكَة ... رَأَىْ بِهَا جَواهِرَ الْمَلائِكَة
مُشاهِداً أَرْواحَ الأنْبِياءِ ... مُخالِطاً فِيْها لِلأوْلِيَاءِ
وهذا لا شبهة فيه؛ أعني: مشاهدة بعض صلحاء البشر غير الأنبياء لبعض الملائكة كما شاهدت مريم عليها السلام منهم جبريل عليهم السلام وقد تمثل لها بشراً سوياً، وقال تعالى: {فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [سورة مريم: 17] .
وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} [سورة آل عمران: 42] .
وقد جاءت أحاديث صحيحة كثيرة تشهد لجواز رؤية البشر للملائكة كما جازت رؤية الصحابة لجبريل في سورة دحية الكلبي - وقد تقدم بعضها -، وأحاديث رؤيتهم الملائكة في غزاة بدر، وغيرها، وحديث عمر رضي الله تعالى عنه المتقدم في صدر الباب في مجيء جبريل عليه السَّلام إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسؤاله إياه عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وقوله - صلى الله عليه وسلم:"هَذا جِبْرِيْلُ أَتاكُمْ يُعَلّمُكُمْ دِيْنَكُمْ".