وربما كان المراد الخوف بعينه يأخذهم على خوف وهم لم يرجعوا، وهؤلاء هم
المذنبون من المسلمين؛ إذ لا يقال للكافر هو على تنقص من دينه وإسلامه وإيمانه،
بل هو عديم الدين مفلس من الإيمان.
ويمكن أن يكون معنى التخوف هَاهُنَا حال إصراره، فإنه يخاف عليه إن مات
على ذلك أن يعذب بذنوبه ما لم يتب، وإن كان لا يقطع على ذلك، فلذلك كان
لفظ الخوف أولى به، وقد قيل: (يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ) ، أي: ليخوف بهم غيرهم
يجعلهم عظة لآخرين وعبرة، فالله أعلم، ويقوي هذا التأويل في أنه الموحد المصر
على ذلك (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(47) .
قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ
وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) . اليمين والشمائل هنا - والله أعلم
بما ينزل - بالإضافة إلى القائم مستقبل المشرق، وهو وجه الدنيا لطلوع أنوارها من
هناك، ونزل القرآن على قطر هذا وذاك، فكانت العرب تجالس في نواديها تستقبل
الشمس وتسمى تلك الناحية: القبول، وتسمى ناحية الغرب على ذلك: الدبور،
والقبلة الجنوب، والجوف الشمال، فأفرد ذكر اليمين لعمارة الضياء إياه، ولتسلل
الظل عن ذات الشمال من القائم يقال طلوع الشمس إلى عين استوائها، كثر لفظ
الظل؛ لأنه حيث حل من ذات الشمال من القائم فهو ظل له.
وقال في موضع آخر: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) يريد
وهو أعلم: من حين غروب الشمس إلى قبل طلوع الشمس.
قال: (وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا) .
كما قال:(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ
غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ).
يقول الله جل من قائل: (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا(45) . أي:
ليمتاز منه، وليعرف به أوقات الصلوات وغير ذلك.
يقول جل ذكره: (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا(46) . الليل أول النهار
الذاهب، ممتد من المغرب لمقابلة الضوء القائم بالشمس الطالعة من مشرقها، فلا