تزال الشمس تطلع وهي في ذلك تسير في قوس دائرتها فيقصر لذلك الظل، فهو
قبضه إياه إليه، ولكونها سائرة في دائرتها يعم الظل ذات الشمال منه، فيكون ذلك
سجودًا منها لموجدها.
وتوجيه التأويل قوله:"إنه يقبضها إليه"أعني: الظلال، فذلك إما لأنه يعدمها
كما يقال في الميت:"إنه ذهب إلى الله"أو لأنه بخلقه الضياء والله هو نور، والنور
منسوب إليه، والنور من أسمائه ليس كذلك الظلام، فقوله: (يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ
وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) . هو في الظاهر حال تفيؤها أمام
ضياء الشمس، وهي من آياته في السماء والأرض، فهي بذلك ساجدة داخرة
صاعدة لها، إذ ليس يفعل ذلك بها سواه.
وإنما سجودها - أعني: ذات الظلال - لسجود ضياء الشمس، وسجود الضياء
لسجود نفس الشمس التي هي ضيائها سبحانه وله الحمد، فالضياء لا يزال يطردها
بأمر الله مضطرة عن أماكنها داخرة ما دامت الشمس طالعة من مشرقها إلى حد
استوائها، فيكمل إذ ذاك قيام الشمس وسجود الظلال، وذلك نهاية سجودها.
ثم يأخذ سجود الشمس في الإعلان به حال نزولها عن موضع استوائها،
فيأخذ الظلال في القيام لله ظهور لسجود الشمس له إلى حال سقوطها في مغربها،
وذلك نهاية ما يبدو للناظرين من سجودها وقام الظلال، فلا تزال الشمس ساجدة
لربها حال طلوعها من الغد والظل قائم لربه جل ذكره، كذلك الليل يطلع، فما دام
كذلك فهو قائم لبارئه، فإذا سقط الشفق خرَّ ساجدًا، فلا يزال ساجدًا بوجه وقائمًا
بوجه إلى أن تطلع الشمس، وقد قُبض إلى ربه.
وجعل الله الشمس آية على خليفه الليل الذي هو الظل بين طلوع القمر وبزوغ
الشمس دليلاً، فالظلال ساجدة ما كانت زائدة على قامات أشخاص ما هي ظلال
لها، فهي إذًا ساجدة بكرة وعشيًّا، وساجدة حال تفيؤها في حال تنقصها عن قامات
أشخاصها، ويتناهى سجودها وسجود الشمس وسجود الليل، وبيَّن التناهي في ذلك
هو حال ركوعها.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ