فذلك قوله: {سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخرون} قرأ أبو عمرو: {تَتَفَيَّأُ} بالتاء بلفظ التأنيث، والباقون: بالياء، لأن تأنيثه ليس بحقيقي، ولأن الفعل مقدم، فيجوز التذكير والتأنيث.
ثم قال تعالى: {داخرون وَلِلَّهِ يَسْجُدُ} أي: يستسلم {مَا فِي السماوات} من الملائكة، والشمس، والقمر، والنجوم، {وَمَا فِى الأرض مِن دَآبَّةٍ} يعني: يسجد لله جميع ما في الأرض من دابة {والملئكة} يعني: وما على الأرض من الملائكة.
ويقال: فيه تقديم وتأخير، ومعناه: ما في السماوات من الملائكة، وما في الأرض من دابة.
ويقال: معناه يسجد له جميع ما في السماوات، وما في الأرض، من دابة والملائكة.
يعني: الدواب، والملائكة، والذين هم في السماوات والأرض.
ثم قال: {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} أي: لا يتعظمون عن السجود لله تعالى {يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ} أي: يخافون الله تعالى.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إنَّ لله تَعَالَى مَلائِكَةً فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ سُجّداً مُذْ خَلَقَهُمُ الله تَعَالَى إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ مَخَافَةِ الله تَعَالَى، فَإِذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ فَقَالُوا: ما عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ} "أي: يخافون خوفاً، معظمين، مبجلين.
ويقال: خوفم بالقهر، والغلبة، والسلطان.
ويقال: معناه يخافون ربهم الذي على العرش، كما وصف نفسه بعلوه، وقدرته، والطريق الأول أوضح كقوله: {إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ وَمَنْ أوفى بِمَا عاهد عَلَيْهِ الله فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [الفتح: 10] أي: لا يعصون الله تعالى طرفة عين.
قرأ أبو عمرو: {يتفيؤا} بالتاء بلفظ التأنيث.
وقرأ الباقون: بالياء لأن تأنيثه مقدم فيجوز أن يذكر ويؤنث. انتهى انتهى. {بحر العلوم حـ 2 صـ 272 - 276}