وهذه العداوة معروفة لنا تماماً ؛ لأنه خرج من الجنة ملعوناً مطروداً ؛ عكس آدم الذي قَبِل الله توبته ؛ وقد أقسم الشيطان بعزة الله لَيُغْوِينَّ الكُلَّ ، واستثنى عبادَ اللهِ المخلصين .
ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم:"لقد أعانني الله على شيطاني فأسلم".
ويصف الحق سبحانه عداوة الشيطان للإنسان أنها عداوةٌ مُبينة . أي: محيطة . وحين نقرأ القرآن نجد إحاطة الشيطان للإنسان فيها يقظة: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ...} [الأعراف: 17] ولم يأت ذِكْر للمجيء من الفوقية أو من التحتية ؛ لأن مَنْ يحيا في عبودية تَحتية ؛ وعبادية فوقية ؛ لا يأتيه الشيطان أبداً .
ونلحظ أن الحق سبحانه جاء بقول يعقوب عليه السلام مخاطباً يوسف عليه السلام في هذه الآية:
{فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً} [يوسف: 5] ، ولم يقل: فيكيدوك ، وهذا من نَضْح نبوة يعقوب عليه السلام على لسانه ؛ لأن هناك فارقاً بين العبارتين ، فقول:"يكيدوك"يعني أن الشرَّ المستور الذي يدبرونه ضدك سوف يصيبك بأذى . أما {فَيَكِيدُواْ لَكَ ...} [يوسف: 5] فتعني أن كيدهم الذي أرادوا به إلحاق الشر بك سيكون لحسابك ، ويأتي بالخير لك .
ولذلك نجد قوله الحق في موقع آخر بنفس السورة: {كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ ...} [يوسف: 76] أي: كدنا لصالحه .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ...} .
أي: كما آنسَك الله بهذه الرؤيا المُفْرحة المُنْبِئة بأنه سيكون لك شأن كبير بالنسبة لإخوتك وبالنسبة لأبيك ، فلسوف يجتبيك ربك ؛ لا بأن يحفظك فقط ؛ ولكن بأن يجعل كيدهم سبباً لصالحك ، ويُعلِّمك من تأويل الأحاديث ما يجعل أصحابَ الجاهِ والنفوذ يلتفتون إليك .