ومع أن هذا السلطان العقلى المطلق، كان له الأثر الأكبر فِي تفسير المعتزلة للقرآن، حتى اضطرهم فِي بعض الأحيان إلى رد ما يعارضهم من الأحاديث الصحيحة، فإنَّا لا نستطيع أن نقول أن نقول إن المعتزلة كانوا يقصدون الخروج على الحديث أو عدم الاعتراف بالتفسير المأثور، وذلك لأن حالهم بإزاء التفسير المأثور وتصديقهم له، يظهر بأجلى وضوح من حكم النظام على استرسال المفسِّرين من معاصريه.
وكان"النظام"معتبراً فِي مدرسة المعتزلة من الرؤوس الحرة الواسعة الحرية وقد ذكر لنا تلميذه الجاحظ قوله الذي قاله فِي شأن هؤلاء المفسِّرين، وهذا نصه: قال الجاحظ:"كان أبو إسحاق يقول: لا تسترسلوا إلى كثير من المفسِّرين وإن نصبوا أنفسهم للعامة وأجابوا فِي كل مسألة، فإن كثيراً منهم يقول بغير رواية على غير أساس وكلما كان المفسِّر أغرب عندهم كان أحب إليهم، وليكن عندكم عِكرمة، والكلبي، والسديّ، والضحاك، ومقاتل بن سليمان، وأبو بكر الأصم فِي سبيل واحدة، وكيف أثق بنفسيرهم وأسكن إلى صوابهم وقد قالوا فِي قوله عَزَّ وجَلَّ: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} : إن الله عَزَّ وجَلَّ، لم يعن بهذا الكلام مساجدنا التي نصلى فيها، بل إنما عنى الجباه، وكل ما سجد الناس عليه من يد وجبهة وأنف وثفنة - وقالوا فِي قوله تعالى: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} : إنه ليس يعني الجمال والنوق، وإنما يعني السحاب - وإذا سُئلوا عن قوله: {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ} قالوا: الطلح هو الموز - وجعلوا الدليل على أن شهر رمضان قد كان فرضاً على جميع الأُمم وأن الناس غيَّروه قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} .. وقالوا فِي قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} .. قالوا: إنه حشره بلا حُجة - وقالوا فِي قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} : الويل واد فِي جهنم، ثم قعدوا يصفون"