أقام المعتزلة مذهبهم على الأصول الخمسة التي ذكرناها آنفاً، ومن المعلوم أن هذه الأصول لا تتفق ومذهب أهل السُّنَّة والجماعة، الذين يعتبرون أهم خصوصهم، لهذا كان من الضرورى لهذه الفِرْقة - فِرْقة المعتزلة - فِي سبيل مكافحة خصومها، أن تُقيم مذهبها وتُدعِّم تعاليمها على أُسس دينية من القرآن، وكان لا بد لها أيضاً أن ترد الحجج القرآنية لهؤلاء الخصوم، وتضعف من قوتها، وسبيل ذلك كله هو النظر إلى القرآن أولاً من خلال عقيدتهم، ثم إخضاعهم عبارات القرآن لآرائهم التي يقولون بها، وتفسيرهم لها تفسيراً يتفق مع نحلتهم وعقيدتهم.
ولا شك أن مثل هذا التفسير الذي يخضع للعقيدة، يحتاج إلى مهارة كبيرة، واعتماد على العقل أكثر من الاعتماد على النقل، حتى يستطيع المفسِّر الذي هذا حاله، أن يلوى العبارة إلى جانبه، ويصرف ما يعارضه عن معارضته له وتصادمه معه.
والذي يقرأ تفسير المعتزلة، يجد أنهم بنوا تفسيرهم على أُسسهم من التنزيه المطلق، والعدل حرية الإرادة، وفعل الأصلح .. ونحو ذلك، ووضعوا أسساً للآيات التي ظاهرها التعارض فَحَكَّمُوا العقل، ليكون الفيصل بين المتشابهات وقد كان مَن قبلهم يكتفون بمجرد النقل عن الصحابة أو التابعين، فإذا جاءوا المتشابهات سكتوا وفوَّضوا العلم لله.
* إنكار المعتزلة لما يعارضهم من الأحاديث الصحيحة:
ثم إن هذا السلطان العقلى المطلق، قد جَرَّ المعتزلة إلى إنكار ما صح من الأحاديث التي تناقض أسسهم وقواعدهم المذهبية، كما أنه نقل التفسير الذي كان يعتمد أولاً وقبل كل شيء على الشعور الحي، والإحساس الدقيق، البساطة فِي الفهم وعدم التكلف والتعمق، إلى مجموعة من القضايا العقلية، والبراهين المنطقية، مما يشهد للمعتزلة - رغم اعتزالهم - بقوة العقل وجودة التفكير.