والإشارة بقوله: (ذلك) إلى ما يفيده السياق من وجوب المتابعة لرسول الله صل الله عليه وسلم أي ذلك الوجوب (بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة) أي بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب وأصناف الشدائد، والظمأ العطش والنصب التعب، والمخمصة الجاعة الشديدة التي يظهر عندها ضمور البطن، وتوسيط كلمة لا هاهنا للدلالة على استقلال كل واحد منها بالفضيلة والاعتداد به.
ومعنى (في سبيل الله) في طاعة الله (ولا يطأون موطئاً يغيظ) بفتح الياء باتفاق السبعة وإن كان يجوز لغة ضمها إذ يقال لغة غاظه وأغاظه بمعنى واحد، أي يغضب والكفار أي لا يدوسون مكاناً من أمكنة الكفار بأقدامهم، أو بحوافر خيولهم أو بأخفاف رواحلهم، فيحصل بسبب ذلك الغيظ والغم والحزن للكفار، والمَوْطِئ اسم مكان ويجوز أن يكون مصدراً، وفيه أن المدد يشارك الجيش في الغنيمة بعد انقضاء الحرب لأن وطء ديارهم مما يغيظهم.
(ولا ينالون) أي لا يصيون (من عدو نيلاً) أي قتلاً وأسراً أو هزيمة أو غنيمة وأصله من نلت الشيء أنال أي أصبت، قال الكسائي: هو من قولهم أمر منيل منه، وليس هو من التناول إنما التناول من نلته بالعطية، قال
غيره نلت أنول من العطية ونلته أناله أدركته.
(إلا كتب لهم به) أي بكل واحد من الأمور الخمسة (عمل صالح) حسنة مقبولة يجازيهم بها وثواب عمل صالح قد ارتضاه لهم وقبله منهم بحكم الوعد الكريم للثواب الجميل ونيل الزلفى.
قال الأوزاعي وجماعة من الأئمة: هذه الآية للمسلمين إلى أن تقوم الساعة، وقال قتادة: هذا الحكم خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم والأول أولى، وفي الآية دليل على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله وكان سعيه مشكوراً.
(إن الله لا يضيع أجر المحسنين) جملة في حكم التعليل لما سبق مع كونه يشمل كل محسن ويصدق على المذكورين هنا صدقاً أولياً، والعدول من الإضمار إلى الإظهار لأجل مدحهم.