(حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) كناية عن شدة التحير وعدم الاطمئنان، يعني أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض برحبها لإعراض الناس عنهم وعدم مكالمتهم من كل أحد لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الناس أن يكالموهم، والرحب الواسع يقال منزل رحب ورحيب وراحب والمضموم مصدر والمفتوح مكان، وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديباً لهم لينزجروا عن المعاصي.
(وضاقت عليهم أنفسهم) أي أنها ضاقت صدورهم بما نالهم من الوحشة وبما حصل لهم من الجفوة وشدة الغم والحزن ومجانبة الناس إياهم وترك كلامهم فلا يسعها سرور ولا أنس، وعبر بالظن في قوله: (وظنوا) عن العلم أي علموا وأيقنوا (أن لا ملجأ) يلجؤون إليه قط (من الله) أي من عذابه أو من سخطه (إلا إليه) سبحانه بالتوبة والاستغفار.
(ثم تاب) أي رجع (عليهم) بالقبول والرحمة وأنزل في القرآن التوبة عليهم ليستقيموا أو وفقهم للتوبة فيما يستقبل من الزمان إن فرطت منهم خطيئة (ليتوبوا) عنها ويرجعوا فيها إلى الله ويندموا على ما وقع منهم ويحصلوا التوبة وينشؤوها فحصل التغاير وصح التعليل (إن الله هو التواب) أي الكثير القبول لتوبة التائبين (الرحيم) أي الكثير الرحمة لمن طلبها من عباده.
قال أبو بكر الوراق: التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة هؤلاء الثلاثة، وفيه دليل على أن قبول التوبة بمحض الرحمة والكرم والرأفة والإحسان من الله تعالى، وأنه لا يجب عليه شيء .