ثم وصف سبحانه المهاجرين والأنصار بأنهم (الذين اتبعوه) أي النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتخلفوا عنه (في ساعة العسرة) هي غزوة تبوك فإنهم كانوا فيها في عسرة شديدة، وقد ذكر بعض العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم سار إلى تبوك في سبعين ألفاً ما بين راكب وماش من المهاجرين والأنصار وغيرهم من سائر القبائل، فالمراد بالساعة أوقات جميع تلك الغزاة ولم يرد ساعة بعينها، والعسرة صعوبة الأمر والشدة والضيق.
وقد وقع الاتفاق بين الرواة أن ساعة العسرة هي غزوة تبوك وتسمى غزوة العسرة، والجيش الذي سار يسمى جيش العسرة لأنه كان عليهم عسرة في الزاد والظهر والماء.
وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس أنه قال لعمر بن الخطاب: حدثنا من شأن ساعة العسرة فقال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلاً فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيراً فادع لنا فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء؛ فأهطلت ثم سكبت فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.
(من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم) في كاد ضمير الشأن بيان
لتناهي الشدة وبلوغها النهاية، ومعنى يزيغ يتلف بالجهد والمشقة والشدة، وقيل معناه يميل عن الحق ويترك المناصرة والممانعة، وقيل معناه يهم بالتخلف عن الغزو لما هم فيه من الشدة العظيمة، وفي قراءة ابن مسعود من بعد ما زاغت وهم المتخلفون على هذه القراءة.