وقد ذكر أهل التفسير أن (ما كان) في القرآن يأتي على وجهين (الأول) على النفي نحو ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله، والآخر على النهي نحو ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله.
(من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) هذه الجملة تتضمن التعليل للنهي عن الاستغفار، والمعنى أن هذا التبين موجب لقطع الموالاة لمن كان هكذا، وعدم الاعتداد بالقرابة لأنهم ماتوا على الشرك، وقد قال سبحانه (إن الله لا يغفر أن يشرك به) فطلب المغفرة لهم في حكم المخالفة لوعد الله ووعيده.
عن عليّ قال: أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب فبكى فقال: اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه، ففعلت وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه (ما كان للنبي) الآية.
وقد روى في سبب نزول الآية استغفار النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي طالب من طرق كثيرة وأصله في الصحيحين، وما فيهما مقدم على ما لم يكن فيهما على فرض أنه صحيح فكيف وهو ضعيف غالبه، وقيل إن أريد بطلب المغفرة للكافر هدايته للإسلام قبل الموت جاز الاستغفار له، وإن أريد به أن يغفر ذنبه مع بقائه على الكفر لم يجز فمفهوم هذه الآية فيه تفصيل.
وهذه الآية متضمنة لقطع الموالاة للكفار وتحريم الاستغفار لهم والدعاء بما لا يجوز لمن كان كافراً، ولا ينافي هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال يوم أحد حين كسر المشركون ربامحيته وشجوا وجهه"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"لأنه يمكن أن يكون ذلك قبل أن يبلغه تحريم الاستغفار لهم.