وَأَمَّا قَوْلُهُ: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: مَا ضَلَلْتُمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: عَزِيزٌ عَلَيْهِ عَنَتُ مُؤْمِنِكُمْ.
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَمَّ بِالْخَبَرِ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ أَنَّهُ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنَتَ قَوْمُهُ، وَلَمْ يُخَصِّصْ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ، فَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ بِهِ عَزِيزًا عَلَيْهِ عَنَتَ جَمِيعِهِمْ
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ كَانَ عَزِيزًا عَلَيْهِ عَنَتَ جَمِيعِهِمْ وَهُوَ يَقْتُلُ كُفَّارَهُمْ وَيَسْبِي ذَرَارِيهِمْ وَيَسْلُبُهُمْ أَمْوَالَهُمْ؟
قِيلَ: إِنَّ إِسْلَامَهُمْ لَوْ كَانُوا أَسْلَمُوا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ إِقَامَتِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ حَتَّى يَسْتَحِقُّوا ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا وَصَفَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِأَنَّهُ عَزِيزٌ عَلَيْهِ عَنَتَهُمْ، لِأَنَّهُ كَانَ عَزِيزًا عَلَيْهِ أَنْ يَأْتُوا مَا يَعْنَتُهُمْ؛ وَذَلِكَ أَنْ يَضِلُّوا فَيَسْتَوجِبُوا الْعَنَتَ مِنَ اللَّهِ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْي وَأَمَّا" {مَا} "الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {مَا عَنِتُّمْ} فَإِنَّهُ رَفَعَ بِقَوْلِهِ: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ} لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: مَا ذَكَرْتُ عَزِيزٌ عَلَيْهِ عَنَتُكُمْ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: مَا قَدْ بَيَّنْتُ.
عَنْ قَتَادَةَ،" {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} حَرِيصٌ عَلَى ضَالِهِمْ أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) }