وَمِنْ ذَلِكَ الْجِهَادُ وَالْقِتَالُ ، الْمَقْصُودُ بِهِمَا الذَّبُّ عَنْ حِمَى الْإِسْلَامِ وَالدَّفْعُ عَنْ بَيْضَةِ الْمُلْكِ ، وَإِزَاحَةُ الشَّرِّ وَبَسْطُ الْأَمْنِ ، وَاسْتِتْبَابُ الرَّاحَةِ ، فَجُعِلَ الْجِهَادُ فَرْضًا مَحْتُومًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ ، إِمَّا كِفَايَةً وَهَذِهِ إِذَا لَمْ يَكُنِ النَّفِيرُ عَامًّا ، وَإِمَّا عَيْنًا إِذَا هَاجَمَ الْعَدُوُّ الْبَلَدَ وَعَمَّ النَّفِيرُ ، قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: الْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إِذَا قَامَ بِهِ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ أَحَدٌ أَثِمَ جَمِيعُ النَّاسِ بِتَرْكِهِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ النَّفِيرُ عَامًّا فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ .
فَالْمُسْلِمُ لَا يَخْلُو مِنْ إِحْدَى الْخُطَّتَيْنِ . إِمَّا مُرْتَزِقٌ ، وَهُوَ مَنْ دَخَلَ فِي الْعَسْكَرِ وَنَصَبَ
لِلْقِتَالِ نَفْسَهُ ، أَوْ مُتَطَوِّعٌ ، وَهُوَ مَنْ لَمْ يَأْخُذْ نَصِيبَهُ مِنَ الْجِهَادِ ، وَلَكِنْ إِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ وَوَقَعَ النَّفِيرُ لَا يُمْكِنُهُ الِاعْتِزَالُ عَنِ الْقِتَالِ وَالتَّنَحِّي عَنْهُ ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ فِيمَا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا .
وَإِذَا كَانَ مِنَ الْمُسَلَّمِ الثَّابِتِ أَنَّ الْمُرْتَزِقَ وَالْمُتَطَوِّعَ سِيَّانِ فِي الْحُقُوقِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي تُمْنَحُ لِلْعَسْكَرِ ، كَانَ مِنَ الْحَقِّ الْوَاضِحِ أَنْ يُعْفَى الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ مِنْ ضَرِيبَةِ الْجِزْيَةِ ، أَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ فَمَا كَانَ يَحِقُّ لِلْإِسْلَامِ أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَى مُبَاشَرَتِهِمُ الْقِتَالَ