وَأَمَّا كَوْنُهُمْ لَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ ، فَمَعْنَاهُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِيمَا قَبْلَهُ أَنَّهُمْ لَا يَدِينُونَ اللهَ بِدِينِهِ الْحَقِّ الْكَامِلِ الْأَخِيرِ ، الْمُكَمِّلِ وَالْمُبَيِّنِ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ قَبْلُ ، وَالنَّاسِخِ لِمَا لَا يَصْلُحُ لِلْبَشَرِ مِنْهُ فِيمَا بَعْدُ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ . يُقَالُ: دَانَ دِينَ الْإِسْلَامِ أَوْ غَيْرَهُ وَدَانَ بِهِ . وَهُوَ الْأَصْلُ ، وَمَعْنَاهُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ الدِّينَ الَّذِي يَتَقَلَّدُهُ كُلٌّ مِنْهُمْ إِنَّمَا هُوَ دِينٌ تَقْلِيدِيٌّ وَضَعَهُ لَهُمْ أَحْبَارُهُمْ وَأَسَاقِفَتُهُمْ بِآرَائِهِمُ الِاجْتِهَادِيَّةِ وَأَهْوَائِهِمُ الْمَذْهَبِيَّةِ ، لَا دِينُ اللهِ الْحَقُّ الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَى مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ . ذَلِكَ بِأَنَّ الْيَهُودَ لَمْ يَحْفَظُوا مَا اسْتُحْفِظُوا مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي كَتَبَهَا مُوسَى ، وَكَانَ يَحْكُمُ بِهَا هُوَ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ بَعْدِهِ ، وَيُخَالِفُهُمُ الْفَاسِقُونَ النَّاقِضُونَ لِعَهْدِهِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ مَوْتِهِ ، إِلَى أَنْ عَاقَبَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِتَسْلِيطِ الْبَابِلِيِّينَ عَلَيْهِمْ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ،