(ومنها) : ما كان من أمر الجراجمة، وقد أتى العلامة البلاذري على جملة
من تفاصيل أحوالهم فقال: حدثني مشايخ من أهل أنطاكية أن الجراجمة من مدينة
على جبل لكام عند معدن الزاج فيما بين بياس وبوقا يقال لها: الجرجومة، وأن
أمرهم كان في استيلاء الروم على الشام وأنطاكية إلى بطريق أنطاكية وواليها، فلما
قدم أبو عبيدة أنطاكية وفتحها لزموا مدينتهم، وهموا باللحاق بالروم، إذ خافوا على
أنفسهم، فلم يتنبه المسلمون لهم ولم ينبهوا عليهم، ثم إن أهل أنطاكية نقضوا
وغدروا، فوجه إليهم أبو عبيدة من فتحها ثانية وولاها بعد فتحها حبيب بن مسلم
الفهري، فغزا الجرجومة فلم يقاتله أهلها ولكنهم بادروا بطلب الأمان والصلح،
فصالحوه على أن يكونوا أعوانًا للمسلمين وعيونًا ومسالح في جبل اللكام، وأن لا
يؤخذوا بالجزية، ثم إن الجراجمة مع أنهم لم يوفوا ونقضوا العهد غير مرة لم
يؤخذوا بالجزية قط، حتى أن بعض العمال في عهد الواثق بالله العباسي ألزمهم
جزية رءوسهم، فرفعوا ذلك إلى الواثق فأمر بإسقاطها عنهم.
ولما بلغت من التعمق في البحث والإمعان في الفحص إلى هذا الحد حان لي أن
أقول: أطفئ المصباح، فإنه قد طلع الصباح، وماذا بعد الحق إلا الضلال، وبالله
ثقتي وعليه اعتمادي، وهو العلي الكبير المتعال. انتهى انتهى {مجلة المنار، رمضان 1316 هـ، للأستاذ/ شبلي النعماني} ...