قال ابن عرفة: اختلفوا في لفظ شرك هل يحمل على النصف فيقتضي التساوي، أو على ما هو أعم، وهذه الآية حجة لمن يحمله على المعنى الأعم، ومسألة كتاب القرض في المدونة دليل على أنه عنده أعم لأنه جعله فاسدا، فقال: وإن أقرضت على أن له شركاء في المال لم يسمه كان على قراض مثله إن عمل، وقال غيره: له النصف.
وقال في كتاب السلم الثالث: وإن ابتاع رجلان عبدا فسألهما رجل أن يشركاه فالعبد بينهم ثلاثا، فهذه تدل على التساوي، وفرق بأن لفظ اشتركا يقتضي التسوية، ولفظ شرك مرادف للتصريف والنصيب مجهول، قال ابن عرفة: وحكى لي الفقيه الأعدل ابن العباس أحمد بن سليمان البرمكي، قال: كنت أتلو القرآن في زاوية بجامع الزيتونة بإزاء سيدي سليمان الزيات؛ فمرت به هذه الآية فوقع في النفس إشكال في فهمها بالنسبة إلى آدم، فقال لي سيدي سليمان: في الحال لم يحتمل الشرك آدم وإنما ذلك منسوب لذريته فعددتها له كرامة ومكاشفة.
قوله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) }
قيل: الضمير عائد على الأصنام، وأجراهم مجرى من يعقل لمعاملتهم إياه معاملة من يعقل، قيل: على المشركين.
ابن عرفة: فعلى الأول يكون وهم يخلقون علة مانعة من الإشراك؛ أي المشركون أصناما مخلوقين مفتقرين إلى موجود أوجدهم، والإله من شرطه ألا يكون مفتقرا لغيره، وعلى الثاني يكون دليلا للتوحيد راجعا لدلالة التمانع، أي أتشركون أصناما لَا تخلق شيئا، والغرض إن هؤلاء الكفار في ذواتهم مخلوقين فمن الخالق لهم ليس هو أحد إلا الله تعالى وقال في هذه الآية: إيماء لتكفير بعض غلاة المعتزلة في قولهم: إن العبد يخلق أفعاله فسموا ذلك خلقا.
قوله تعالى: {وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا ... (192) }
لا يلزم من عدم القدرة على نصرة الغير أن لَا يقدر على النصرة لنفسه.
قوله تعالى: {لَا يَتَّبِعُوكُمْ ... (193) }
أي لَا يجيبوكم.
قوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ) .
فإن قلت: لم عبر في الأول بالفعل وفي الثاني بالاسم؟ فأجاب بأنه يفيد بأنهم صامتون دائما على الدعاء إليهم.