وأيضاً ، فإن قطع سببية السبب تغيير لحكم الله ، وإسقاط للسببيه بالتحيل ، وليس ذلك للمكلف ، فإن الله سبحانه هو الذي جعل هذا سببا بحكمه وحكمته ، فليس له أن يبطل هذا الجعل بالحيلة والمخادعة ، وهذا بخلاف ما إذا وهبه ظاهراً وباطنا ، أو أنفقه فإنه لم يحتل بإظهار أمر وإبطان خلافه على منع الإيجاب ، وأداء الواجب.
وأيضاً ، فإنه إذا احتال على منع الإيجاب تضمن ذلك الحيلة على منع أداء الواجب. ومعلوم أن منعه أداء الواجب فقط أيسر من تحيله على الأمرين جميعاً.
وأيضاً فإنه لا يصح فراره من الوجوب مع إتيانه بسببه ، فإن الفارّ من الشيء فار من أسبابه ، وهذا أحرص شيء على الملك الذي هو سبب وجوب الحق عليه ، ومن حرصه عليه: تحيلَ على ترك الإخراج حرصاً وشحاً. فهو فار من أداء الواجب ، ظاناً أنه يفر من وجوبه عليه. والأول حاصل له دون الثاني.
ونكتة الفرق من جهة الوسيلة والمقصود ، فإن المحتال على المحرمات ، وإسقاط الواجبات ، مقصوده فاسد ، ووسيلته باطلة. فإنه توسل بالشيء إلى غير مقصوده ، وتوسل به إلى مقصود محرم.
فإن الله سبحانه إنما جعل النكاح وسيلة إلى المودة والرحمة ، والمصاهرة والنسل ، وغض
البصر ، وحفظ الفرج ، والتمتع والإيواء ، وغير ذلك من مقاصد النكاح ، والمحلل لم يتوسل به إلى شيء من ذلك بل إلى تحليل ما حرمه الله تعالى ، فإنه سبحانه حرمها على المطلق ثلاثا عقوبة له ، فتوسل هذا بنكاحها إلى تحليل ما حرمه الله تعالى له ، ولم يتوسل به إلى ما شرع له. فكان القصد محرماً ، والوسيلة باطلة.
وكذلك شرع الله البيع وسيلة إلى انتفاع المشترى بالعين والبائع بالثمن ، فتوسل به المرابى إلى محض الربا ، وأتى به لغير مقصوده. فإنه لا غرض له فِي تملك تلك العين ، ولا الانتفاع بها ، وإنما غرضه الربا ، فتوسل إليه بالبيع.