وكذلك شرع سبحانه الأخذ بالشفعة دفعاً للضرر عن الشريك. فتوسل المبطل لها بإظهار الصرف الذي لا حقيقة له إلى إبطالها ، فكانت وسيلته باطلة ، ومقصوده محرماً.
وكذلك الزكاة. فرضها رحمة منه بالمساكين ، وطهرة للأغنياء ، فتوسل المسقط لها إلى إبطال هذا المقصود بإظهار عقد لا حقيقة له ، من بيع ، أو هبة.
وكذلك القرض شرع الله سبحانه فيه العدل ، وأن لا يزداد على مثل ما أقرضه. فإذا احتال المقرض على الزيادة فقد احتال على مقصود محرم بطريق باطلة.
وكذلك بيع الثمر قبل بُدُوّ صلاحها باطل ، لما يفضى إليه من أكل المال بالباطل ، فإذا احتال عليه بأن شرط القطع ثم تركه حتى يكمل ، كان قد احتال على مقصود محرم بشرط غير مقصود ، بل قد علم المتعاقدان وغيرهما أنه لا يقطعه ، ولا سيما إن كان مما لا ينتفع به قبل الصلاح بوجه كالتوت والفرسك وغيرهما. فاشتراط قطعه خداع محض.
وكذلك سائر الحيل التي تعود على مقصود الشارع وشرعه بالنقض والإبطال ، غاياتها محرمة ، ووسائلها باطلة لا حقيقة لها.
وكذلك الفدية والخلع التي شرعها الله ليخلص كلا من الزوجين من الآخر إذا وقع الشقاق بينهما ، فجعلوه حيلة للحنث فِي اليمين ، وبقاء النكاح. والله سبحانه إنما شرعه لقطع النكاح. حيث يكون قطعه مصلحة لهما.
وبهذا يتبين لك الفرق بين الحيل التي يتوصل بها
إلى تنفيذ أمر الله تعالى ورسوله وإقامة دينه ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ونصر المحق ، وكسر المبطل. والحيل التي يتوصل بها إلى خلاف ذلك. فتحصيل المقاصد المشروعة بالطرق التي جعلت موصلة إليها شيء ، وتحصيل المقاصد الفاسدة بالطرق التي جعلت لغيرها شيء آخر.
فالفرق بين النوعين ثابت من جهة الوسيلة والمقصود ، اللذين هما: المحتال به والمحتال عليه.
فالطرق الموصلة إلى الحلال المشروع هي الطرق التي لا خداع فِي وسائلها ، ولا تحريم فِي مقاصدها ، وبالله التوفيق.
فصل
[الرد على أقوال من يجيز الحيل]