المثال التاسع والستون: يجوز أن يستأجر الشاة والبقرة ونحوهما مدة معلومة للبنها. ويجوز أن يستأجرها لذلك بعلفها وبدراهم مسماة ، والعلف عليه ، هذا مذهب مالك ، وخالفه الباقون.
وقوله هو الصحيح ، واختاره شيخنا. لأن الحاجة تدعو إليه ، ولأنه كاستئجار الظئر للبنها مدة ، ولأن اللبن وإن كان عينا فهو كالمنافع فِي استخلافه وحدوثه شيئاً بعد شيء ولأن إجارة الأرض لما نبت فيها من الكلأ والشوك جائزة ، وهو عين ، ولأن اللبن حصل بعلفه وخدمته ، فهو كحصول المغل ببذره وخدمته ، ولا فرق بينهما ، فإن تولد اللبن من العلف كتولد المغل من البذر ، فهذا من أصح القياس.
وأيضاً فإنه يجوز أن يقفها ، فينتفع الموقوف عليها بلبنها ، وحق الواقف إنما هو فِي منفعة الموقوف مع بقاء عينه.
وأيضاً فإنه يجوز أن يمنحها غيره مدة معلومة لأجل لبنها. وهي باقية على ملك المانح. فتجرى منحتها مجرى إعارتها ، والعارية إباحة المنافع ، فإذا كان اللبن يجرى مجرى المنفعة فِي الوقف والعارية ، جرى مجراها فِي الإجارة.
وأيضاً فإن الله سبحانه وتعالى قال: {فَإِنْ أرْضعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] .
فسمى ما تأخذه المرضعة فِي مقابلة اللبن أجرا ، ولم يسمه ثمنا.
وأيضاً فيجوز أن يستأجر بئرا مدة معلومة لمائها ، والماء لم يحصل بعمله ، فلأن يجوز استئجار الشاة للبنها الحاصل بعلفه والقيام عليها أولى.
وأيضاً: فإنه يجوز أن يستأجر بركة يعشش فيها السمك لأجله ، فهذا أولى بالجواز ، لأنه معلوم بالعرف. وهو حاصل بعلفه والقيام على الحيوان.
وقياس المنع على تحريم بيع اللبن فِي الضرع قياس فإن ذاك بيع مجهول لا يعرف قدره ، وما يتحصل منه ، وهو بيع معدوم ، فلا يجوز. والإجارة أوسع من البيع ولهذا يجوز على المنافع المعدومة المستخلفة شيئاً بعد شيء ، فاللبن فِي ذلك كالمنفعة سواء وإن كان عينا ، فهذا القول هو الصحيح.
فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يبطل هذا العقد.