وقد دخل فِي القسم الأول احتيال المرأة على فسخ النكاح بالردة ، فهي لا تمشى غالبا إلا عند من يقول: الفرقة تنجز بنفس الردة ، أو يقول: بأنها لا تقتل ، فالواجب فِي مثل هذه الحيلة: أن لا ينفسخ بها النكاح ، وإذا علم الحاكم أنها ارتدت لذلك لم يفرق بينهما. وتكون مرتدة من حيث العقوبة والقتل ، غير مرتدة من حيث فساد النكاح ، حتى لو توفيت أو قتلت قبل الرجوع استحق ميراثها ، لكن لا يجوز له وطؤها فِي حالة الردة ، فإن
الزوجة قد يحرم وطؤها بأسباب من جهتها كما لو أحرمت ، لكن لو ثبت أنها ارتدت ثم قالت: إنما ارتدت لفسخ النكاح ، لم يقبل هذا ، فإنه قد يجعل ذريعة إلى عود نكاح كل مرتدة ، بأن تلقن أنها إنما ارتدت للفسخ ، ولأنها متهمة فِي ذلك ، ولأن الأصل أنها مرتدة فِي جميع الأحكام.
فصل
وقد استدل البخارى فِي صحيحه على بطلان الحيل بقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"لا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ ، وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةَ".
فإن هذا النهي يعم ما قبل الحول وما بعده.
واحتج بقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فِي الطاعون:"إِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ".
وهذا من دقة فقهه رحمه الله ، فإنه إذا كان قد نهى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الفرار من قدر الله تعالي إذا نزل بالعبد ، رضا بقضاء الله تعالى وتسليماً لحكمه ، فكيف بالفرار من أمره ودينه إذا نزل بالعبد ؟.
واحتج بأنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:"نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ المَاءِ لِيَمْنَعَ بِهِ الْكَلأَ".
فدل على أن الشيء الذي هو فِي نفسه غير محرم إذا قصد به أمر محرم صار محرماً.
واحتج أحمد رحمه الله على بطلان الحيل وتحريمها بلعنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم للمحلل ، وبقوله"لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود ، فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل".