قَالُوا: وَمَا صَنَعْت ؟ فَأَخْبَرَهُمْ ، فَفَعَلُوا مِثْلَ مَا فَعَلَ ، حَتَّى كَثُرَ ذَلِكَ ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَدِينَةٌ لَهَا رَبَضٌ يُغْلِقُونَهَا عَلَيْهِمْ ، فَأَصَابَهُمْ مِنْ الْمَسْخِ مَا أَصَابَهُمْ ، فَغَدَا إلَيْهِمْ جِيرَانُهُمْ مِمَّنْ كَانَ حَوْلَهُمْ
يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ مَا يَطْلُبُ النَّاسُ ، فَوَجَدُوا الْمَدِينَةَ مُغْلَقَةً عَلَيْهِمْ ، فَنَادَوْا فَلَمْ يُجِبْهُمْ أَحَدٌ ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِمْ الْمَدِينَةَ ، فَإِذَا هُمْ قِرَدَةً ، فَجَعَلَ الْقِرْدُ مِنْهُمْ يَدْنُو فَيَتَمَسَّحُ بِمَنْ كَانَ يَعْرِفُ قَبْلَ ذَلِكَ.
قَالَ الْحَسَنُ: فَأَكَلُوا وَاَللَّهِ أَوْخَمَ أَكْلَةٍ أَكَلَهَا قَوْمٌ ، وَعُوقِبُوا أَسْوَأَ عُقُوبَةٍ فِي الدُّنْيَا وَأَشَدَّهَا عَذَابًا فِي الْآخِرَةِ.
ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ: وَاَللَّهِ لَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَكْلِ الْحِيتَانِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: لَمَّا فَعَلُوا هَذَا نَهَاهُمْ كُبَرَاؤُهُمْ ، وَوَعَظَهُمْ أَحْبَارُهُمْ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُمْ ، فَاسْتَمَرُّوا عَلَى نَهْيِهِمْ لَهُمْ ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ التَّمَادِي عَلَى الْوَعْظِ وَالنَّهْيِ عَدَمُ قَبُولِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ قُبِلَ أَوْ لَمْ يُقْبَلْ ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ بَعْضُهُمْ: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} ؟ يَعْنِي فِي الدُّنْيَا ، {أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} فِي الْآخِرَةِ ؟ قَالَ لَهُمْ النَّاهُونَ: مَعْذِرَةً إلَى رَبِّكُمْ ، أَيْ نَقُومُ بِفَرْضِنَا ؛ لِيَثْبُتَ عُذْرُنَا عِنْدَ رَبِّنَا.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْله تَعَالَى {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} أَيْ: تَرَكُوهُ عَنْ قَصْدٍ.