والعجيب أن الكلمة لا نراها إلا جمعا فأمّا قول الأعشى:
أبيض لا يرهب الهزال ولا يقطع رحما، ولا يخون إلا فنادر، لا نجد له شاهدا آخر، وقال فيه ابن سيده: يجوز أن يكون «إلا» هنا واحد آلاء الله، ويجوز أن يكون مخفّفا من الإلّ الذي هو العهد.
أقول: وقد يشيع في العربية الجمع، وينسى المفرد نحو «أرجاء» ، وقلّما يوجد «رجا» مستعملا، ومثله «آناء» كآناء الليل، وقلما نجد «إنّى» وهو المفرد.
20 -وقال تعالى: (وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً [الآية 65] .
قال الزمخشري: و «أخاهم» عطف على «نوحا» .
أقول: كيف يجوز عطف على معطوف عليه قبله بكلام طويل، أي في قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ(59) .
والذي أراه أن «أخاهم» في الآية الخامسة والستين، منصوب بفعل محذوف للعلم به، وهو «أرسلنا» ، فكأننا نقرأ: وإلى عاد أرسلنا أخاهم هودا. ونستطيع أن نقول مثل هذا في قوله تعالى:
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً [الآية 73] أي: أرسلنا أخاهم صالحا.
21 -وقال تعالى: (وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ(74) .
قرأ جميع القراء «تعثوا» بفتح الثاء من عثي يعثى عثوّا، وهو أشدّ الفساد.
وفي الفعل «عثي» لغتان: هما عثا يعثو عثوّا، وعاث يعيث عيثا، ولم يقرأ بهما.
أقول: وليس لنا من هذا الفعل في العربية المعاصرة إلّا عاث يعيث.
وحقيقة عثي يعثى، مقلوب عاث يعيث، كما قال كراع.
ولكنهم قالوا: إن اللغة الجيدة عثي يعثى. وقد كنا عرضنا لهذا الفعل في آية سابقة.
22 -وقال تعالى: (فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ(83) .
أي: من الذين غبروا في ديارهم، أي: بقوا فهلكوا، والتذكير لتغليب الذكور على الإناث.
وغبر الشيء يغبر غبورا: مكث وذهب وغبر الشيء: بقي. والغابر:
الباقي، والغابر: الماضي. ومن هنا قالوا: هو من الأضداد.
أقول: ولعلّ هذا كلّه جاء من أنّ الغابر، باقيا أو ماضيا، إنّما يكون سائرا عابرا: أي: متحرّكا.
ومن هنا كانت العلاقة بين غبر، وعبر علاقة أصيلة.
23 -وقال تعالى: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ(89) .
أي: ربّنا احكم بيننا، والفتاحة الحكومة، أي الحكم بين المتخاصمين، أو أظهر أمرنا حتّى يتفتّح ما بيننا وبين قومنا.