الإملاق: الفقر، مصدر أملق الرجل إملاقا إذا احتاج وافتقر.
أي: لا تقتلوا أولادكم الصغار من أجل الفقر فنحن قد تكفلنا برزقكم ورزقهم.
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها.
ولا شك أن الحياة حق لهؤلاء الصغار كما أنها حق لكم. فمن الظلم البين الاعتداء على حقوقهم، والتخلص منهم خوفا من الفقر، مع أن الله - تعالى - هو الرازق لكم ولهم.
والمجتمع الذي يبيح قتل الأولاد خوفا من الفقر أو خوفا من العار، لا يمكن أن يصلح شأنه، لأنه مجتمع نفعي تسوده الأثرة والأنانية، ويكون في الوقت نفسه مجتمعا أفراده يسودهم التشاؤم، وتتغشاهم الأوهام، لأنهم يظنون أن الله يخلق خلقا لا يدبر لهم حقهم من الرزق، ويعتدون على روح بريئة طاهرة تخوفا من جريمة متوهمة، وذلك هو الضلال المبين.
-وقد روى النهي عن قتل الأولاد هنا بهذه الصيغة، وورد في سورة الإسراء بصيغة أخرى هي قوله - تعالى - وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ وليس إحداهما
تكرارا للأخرى. وإنما كل واحدة منهما تعالج حالة معينة.
-فهنا يقول - سبحانه - مِنْ إِمْلاقٍ أي: لا تقتلوهم بسبب الفقر الموجود فيكم أيها الآباء لذا قال: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ فجعل الرزق للآباء ابتداء، لأن الفقر الذي يقتلون من أجله أولادهم حاصل لهم فعلا.
-وفي سورة الإسراء يقول: خَشْيَةَ إِمْلاقٍ أي: خوفا من فقر ليس حاصلا، ولكنه متوقع بسبب الأولاد ولذا قال: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ فقدم رزق الأولاد لأنهم سبب توقع الفقر، ليكف الآباء عن هذا التوقع، وليضمن للأولاد رزقهم ابتداء مستقلا عن رزق الآباء.
ففي كلتا الحالتين القرآن ينهى عن قتل الأولاد، ويغرس في نفوس الآباء الثقة بالله، والاعتماد عليه.