ظهر ضعف ما قيل. لا يخفى أن استدلال المعتزلة لا يخلو عن قوة ومنشأ هذا الْقَوْل الذهول
عن هذا التحقيق الذي هُوَ من أنوار التوفيق فإن استدلالهم بناء عَلَى أن (أو) للترديد في النفي
وهذا خلاف الأصل فيها كما عرفت بل هي لنفي الترديد ولزوم التكرار في قوله:(أو
كسبت) [حِينَئِذٍ] لا يكون قرينة عَلَى العدول عن الأصل لما عرفت دفعه بوجوه
شتى والقائل بهذا من أهل السنة والتَّعْبير بالْقَوْل لا يخلو عن خدشة، ثم إن المصنف لم يراع
الترتيب في البحث؛ إذ جواب الأول تسليم ما ذكره الزَّمَخْشَريّ من أن (أو) للترديد في النفي
والْجَوَاب الثاني منع لذلك، والمنع بعد التسليم يأبى عنه الذوق السليم وإن جوزه بعض
أرباب التعليم، فالأولى المنع أولا بأن يقال لا نسلم كون (أو) للترديد في النفي. سلمنا ذلك
لكن لا نسلم ما ذكره من أن هذه الآية دليل عَلَى عدم اعتبار الإيمان الخالي عن العمل
مُطْلَقًا لم لا يجوز أن يكون ذلك مختصًا بهذا العين مع إسقاط قوله وللمعتبر الخ. لما فيه
من الخلل فتأمل.
قوله: (عَلَى اشتراط النفع بأحد الأمرين) وفي هذا الْكَلَام إيجاز الحذف بأكثر من
جملة؛ إذ الْمُرَاد أن لفظة (أو) محمول عَلَى نفي الترديد في النفي فيفيد ذلك أي نفي الترديد
بمَنْطُوقه اشتراط عدم النفع بعدم الأمرين معًا، وبمفهومه [يفيد] اشتراط النفع بأحد الأمرين مع
أن الْكَلَام مسوق لبيان عدم النفع بعدم الأمرين معًا لأنه فهم منه أن النفع بأحد الأمرين؛ إذ
نقيض السلب الكلي الإيجاب الجزئي.
قوله: (عَلَى معنى لا ينفع نفسها خلت عنهما إيمانها) أي إذا حمل الْكَلَام عَلَى نفي
الترديد يكون الْمَعْنَى لا ينفع نفسًا خلت عنهما إيمانها الحادث فلا يصح الترديد في النفي
لخلو النفس عنهما معًا، فلا يقال: (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) عَلَى
وجه الترديد في النفي فلا جرم أنه لنفي الترديد فيفيد عموم النفي كما هُوَ الأصل فيها.
قوله: (والعطف عَلَى(لم تكن) بمعنى لا ينفع نفسًا إيمانها الذي أحدثته حِينَئِذٍ وإن
كسبت فيه خيرًا) جواب ثالث عن شبهة المعتزلة فـ [حِينَئِذٍ] لا يتوجه النفي إليه فيكون (أو) بمعنى
الواو كما أشار إليه بقوله وإن كسبت فيه خيرًا، فيندفع بهذا التوجيه أَيْضًا إشكال المعتزلة
واستدلالهم بهذه الآية أخر هذا الوجه لاحتياجه إلَى الحمل عَلَى معنى الواو وهو خلاف
الأصل والْمُتَبَادَر مع فوات النُّكْتَة والمُبَالَغَة الْمَذْكُورة في الوَجْهَيْن الأولين. وأشار المصنف إلَى
أن الْمُرَاد وإن كسبت خيرًا بأن الوصلية ليعلم أن عدم النفع في انتفاء كسب الخير أولى
وأحرى، ولهذا اعتبر أن الوصلية في حاصل الْمَعْنَى وإن لم يكن مذكورًا في النظم الكريم؛ إذ
كون نقيض كسب الخير أولى بالحكم وقرينة قوية عَلَى اعتبار أن الوصلية، فظهر ضعف
جعل أن مصدرية. وأُجيب أَيْضًا عن شبهة الخصمم بأن الآية من قبيل اللف التقديري. أي لا