وأشدُّ ذلكَ: حالُ من اتَّبع هواهُ فِي شبهةٍ مضلةٍ ، ثمَّ من اتبع هواهُ في
غضبٍ وكبرٍ وحقدٍ وحسدٍ ، ثم من اتَّبع هواهُ فِي شهوةٍ حسيةٍ.
ولهذَا يُقالُ: إنَّ مَن كانتْ معصيتُهُ فِي شهوةٍ فإنَه يُرجَى له ، ومن كانتْ
معصيتُهُ فِي كبرٍ لم يُرج.
ويُقال: إنَّ البدعَ أحبُّ إلى إبليسَ من المعاصِي"لأنَّ المعاصِيَ يُتابُ منها"
والبدعَ يعتقِدُهَا صاحبُها دِينًا فلا يتوبُ مِنهَا.
والمقصودُ: أنَّه لمَّا كانتِ النفسُ والهَوى داعيينِ إلى فتح أبوابِ المحارِمِ
وكشفِ ستورِها وارتكابِها ، جعلَ اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - لها داعيَيْنِ يزجرانِ مَن
يُريدُ ارتكابَ المحارمِ وكشفَ ستورِهما.
أحدُهما: داعِي القرآنِ ، وهو الداعِي على رأسِ الصراطِ يدعُو الناسَ كلَّهم
إلى الدخولِ فِي الصراطِ والاستقامةِ عليهِ ، وأنْ لا يَعْوَجُّوا عنه يمنةً ولا يسرةً.
ولا يفتحُوا شيئًا من تلكَ الأبوابِ التي عليَها الستورُ المُرخاةُ:
قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ حاكيًا عن عبادِهِ المؤمنينَ أنَّهم قالُوا: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) ، والمُرادُ به القرآنُ عندَ أكثرِ السلفِ.
وقالَ حاكيًا عنِ الجنّ الذين استمعُوا القرآنَ ، أنَّهُم لمَّا رجعُوا إلى قومِهِم
قالُوا: (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ(30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ).
وقد وصفَ اللَهُ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - بأنَّه يدعُو الخلقَ بالكتابِ إلى الصراطِ المستقيم ؛ كما قالَ اللَّهُ - تعالَى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(1) .