فإن قيل: كيف جعلت الهدى دلالة بلطف ، وقد قال الله تعالى: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} ، وقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} ؟ قيل: إن ذلك على حسب استعمالهم اللفظ على التهكم كما قال:
وَخَيْلٌ قَدْ دَلَفْتُ لَهُ بِخَيْلٍ ...
تَحِيُةُ بَيْنِهِمْ ضرَبٌ وَجيِعُ
والهداية: هي الإرشاد إلى الخيرات قولاً وفعلاً ، وهي من الله تعالى على منازل بغضها يترتب على بعض ، لا يصح حصول الثاني إلا بعد الأول ، ولا الثالث إلا بعد الثاني ، فأول المنازل: إعطاؤه العبد القوي التي بها يهتدي إلى مصالحه ، إما تسخيراً ، وإما طوعاً ، كالمشاععر الخمسة ، والقوى الفكرية ، وبعض ذلك أعطاه الحيوانات ، وبعضه خص به الإنسان.
وعلى ذلك دل قوله تعالى: {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} وقوله تعالى: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} ، وهذه الهداية إما تسخير وإما تعليم ، وإلى نحوه أشار بقوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} وقوله تعالى: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} ، وقال فِي الإنسان بما أعطاه من العقل وعرفه من
الرشد: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} وقال: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} وقال فِي ثمود: {فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} وثانيها: الهداية بالدعاء وبعثة الأنبياء عليهم السلام وإياها عنى بقوله تعالى {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} وبقوله: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} وهذه الهداية تنسب تارة إلى الله - عز وجل - وتارة إلى النبي - عليه السلام - وتارة إلى القرآن قال تعالى {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} وثالثها: هداية يوليها صالحي عباده بما اكتسبوه من الخيرات.