وعلى هذا قال: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} وذلك إما تسخيراً وإما إراداة ومنهم من قال ذلك مختص بالعقول التي فطرها الله تعالى وأشار إليها بقوله: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ، لأن العقول بفطرتها دالة على وحدانية ومُنْبِئّةٌ عن وجوب شكره ما لم يدسها صاحبها كما قال تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} ، ومنهم من قال: ذلك مختص بالأحوال التي ينقطع الإنسان عن غيره ، فيقصده بفكره ، وإليه أشار بقوله: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُون} ، ومنهم من قال: مختص بالعباد المخلصين والعبادة عنه بذلك كالعبادة عنه بالمحبوب ، والمراد المشار إليها بقوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} وبقوله: {الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} ، وقد أطلق بعض الأولياء وبعض القدماء عليه تعالى لفظ المعشوق ، والمشوق ، إلا أن كرهه أهل العلم لأمرين: عدم التوقيف فيه ، وكون العشق فِي هذه اللغة متعارفاً فِي اللذات البدنية ...
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} : الرحمة - فِي اللغة - رقة مقتضية للتعطف والتفضل ، فمبدأها الرقة التي هي انفعال ، ومنتهاها: العطف والتفضل الذي هو فعل.
فالإنسان إذا وصف بالرحمة ، فتارة يراد به حصول المبدأ الذي هو الرقة ، وتارة يراد به المنتهى الذي هو التفضل والعطف ، وتارة يرادان معاً ، وإذا وصف بها الباري ، فليس يراد به إلا المنتهى الذي هو الفعل دون المبدأ الذي هو الانفعال ، إذ هو منزه عن الانفعالات وعن كل نقص تعالى الله عن ذلك ،"الرؤف"فإن الرأفة انعصار القلب عن مشاهدة شدة مقتضية للإغاثة ، فمتى وصف به الإنسان صح أن يراد به المبدأ الذي هو انعصار القلب.