ثم قولهم في اللَّه: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ...) الآية. وقولهم: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ...) الآية. وقول اللَّه تعالى فيهم: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ...) الآية.
وكفرِهم برسول اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بعد استفتاحهم، وشدة تعنتهم، وظهور النفاق؛ فاستحقوا بذلك اسم الغضب عليهمِ، وإن كانوا شركاء غيرهم في اسم الضلال. وباللَّه التوفيق.
وفي هذا وجه آخر: أن يُحْمل الذنوب على وجهين:
منها ما يوجب الغضب - وهو الكفر - ومنها ما يوجب اسم الضلال - وهو ما دونه - كقول موسى: (فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنا مِنَ الضَّالِّينَ) .
ورؤية الهداية لأهلها والتعوذ به من كل ضلال، ومن جميع ما يوجب مقته وغضبه - وباللَّه النجاة والخلاص - مع ما في خبر القسمة، وعد جليل من رب العالمين في إجابة العبد مما يرفع إليه من الحوائج، إذْ قال:"قسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين"ثم صَير آخر السورة لعبده، وليس في صلاته سوى إظهار الفقر، ودفع الحاجة، وطلب المعونة، والاستهداء إلى ما ذكر مع التعوذ عما وصف، وليس ذلك مما يوصف به العبد أنه له؛ فثبت أن له في ذلك إجابة ربه فيما أمره به، ووعد ذلك، وهو لا يخلف وعده.
فأنَّى يحتمل ذلك بعد أمره العبدَ بالذي تضمنه أول السورة، فقام به العبد مع لُؤمه وجفائه، واللَّه بكرمه وجوده لا ينجز له ما وعد؟!
لا يكون هذا أَلبتة، وقد قال: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ، وغير ذلك مما فيه الإنجاز، وأنه لا يخلف الميعاد.
ثم قد جعلت - بما جاء من الحديث في تلاوتها - أنْ قدمها على التوراة، والإنجيل، وعدلها بثلثي القرآن، وجعلها شفاءً من أَنواع الأَدواء للدِّين، والنفس، والدنيا، وجعلها معاذًا من كل ضلال، وملجأ إلى كل نعمة. وباللَّه نستعين.