إذا عرفت هذا فلنرجع إلى المقصود فنقول: إن محمداً عليه السلام لما وصل إلى المعراج وأراد أن يرجع قال:"يا رب العزة إن المسافر إذا أراد أن يعود إلى وطنه احتاج إلى محمولات يتحف بها أصحابه وأحبابه ، فقيل له: إن تحفة أمتك الصلاة"وذلك لأنها جامعة بين المعراج الجسماني ، وبين المعراج الروحاني: أما الجسماني فبالأفعال ، وأما الروحاني فبالأذكار ، فإذا أردت أيها العبد الشروع فِي هذا المعراج فتطهر أولاً ، لأن المقام مقام القدس ، فليكن ثوبك طاهراً ، وبدنك طاهراً لأنك بالوادي المقدس طوى ، وأيضاً فعندك ملك وشيطان ، فانظر أيهما تصاحب: ودين ودنيا ، فانظر أيهما تصاحب: وعقل وهوى ، فانظر أيهما تصاحب: وخير وشر ، وصدق وكذب ، وحق وباطل ، وحلم وطيش ، وقناعة وحرص ؛ وكذا القول فِي كل الأخلاق المتضادة والصفات المتنافية ، فانظر أنك تصاحب أي الطرفين وتوافق أي الجانبين فإنه إذا استحكمت المرافقة تعذرت المفارقة ، ألا ترى أن الصديق اختار صحبة محمد عليه السلام فلزمه فِي الدنيا ، وفي القبر ، وفي القيامة ، وفي الجنة وأن كلباً صحب أصحاب الكهف فلزمهم فِي الدنيا ، وفي الآخرة ، ولهذا السر قال تعالى: {يا أيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله وَكُونُواْ مَعَ الصادقين}
[التوبة: 119] ثم إذا تطهرت فارفع يديك ، وذلك الرفع إشارة إلى توديع عالم الدنيا وعالم الآخرة فاقطع نظرك عنهما بالكلية ، ووجه قلبك وروحك وسرك وعقلك وفهمك وذكرك وفكرك إلى الله ، ثم قل: الله أكبر ، والمعنى أنه أكبر من كل الموجودات ، وأعلى وأعظم وأعز من كل المعلومات ، بل هو أكبر من أن يقاس إليه شيء أو يقال أنه أكبر ، ثم قل: سبحانك اللهم وبحمدك ، وفي هذا المقام تجلى لك نور سبحات الجلال ، ثم ترقيت من التسبيح إلى التحميد ثم قل: تبارك اسمك ، وفي هذا المقام انكشف لك نور الأزل والأبد ، لأن قوله تبارك إشارة إلى الدوام المنزه عن الإفناء والإعدام ، وذلك يتعلق