والخلاصة: أن العلماء من السلف متفقون على أن المؤمن لا يكون مهتديًا إذا أصلح نفسه ولم يهتم بإصلاح غيره؛ بأن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، وأن ذلك فرض لا هوادة فيه، ولكن هذه الفريضة تسقط إذا فسد الزمان فسادًا لا يرجى معه تأثير الوعظ والإرشاد، أو فسادًا يؤدي إلى إيذاء الواعظ المرشد؛ بأن يعلم أو يظن ظنًّا قويًّا بأن لا فائدة من نصحه، أو بأنه سيؤذى إذا هو أمر بمعروف أو نهى عن منكر، ويحرم عليه ذلك إذا أدَّى إلى الوقوع في التهلكة.
وحكى الزمخشري عن نافع أنه قرأ: {عليكم أنفسُكم} بالرفع، وهي قراءة شاذة تخرَّج على وجهين:
أحدهما: يرتفع على أنه مبتدأ، و {عليكم} في موضع الخبر، والمعنى: على الإغراء.
والوجه الثاني: أن يكون توكيدًا للضمير المستكن في {عَليْكُمْ} ، ولم يؤكد بمضمر متصل؛ إذ قد جاء ذلك قليلًا، ويكون مفعول عليكم محذوفًا لدلالة المعنى عليه والتقدير: عليكم أنفسكم هدايتكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم.
وقرأ الجمهور: {لَا يَضُرُّكُمْ} بضم الضاد والراء وتشديدها، قال الزمخشري: وفيه وجهان: أن يكون خبرًا مرفوعًا، وأن يكون جوابًا للأمر الذي دل عليه اسم الفعل مجزومًا، وإنما ضُمت الراء؛ إتباعًا لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة، والأصل: لا يضرركم، ويجوز أن يكون نهيًا. انتهى.
وقرأ الحسن: بضم الضاد وسكون الراء من ضار يضور، وقرأ النخعي بكسر الضاد وسكون الراء من ضار يضير، وهي لغات.
{إِلَى اللَّهِ} سبحانه وتعالى وحده لا إلى غيره {مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} ؛ أي: رجوعكم ورجوع من ضلَّ عما اهتديتم إليه يوم القيامة، وغلب الخطاب على الغيبة كما تقول: أنت وزيد تقومان. {فَيُنَبِّئُكُمْ} ؛ أي: يخبركم عند الحساب {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدنيا من الخير والشر، فيجازيكم عليه، وفي هذه الجملة تذكير بالحشر وتهديد بالمجازاة.